لكن توسيع المدارك وتفتيق العقول يكشف له أنماطًا كثيرة، تتناسب كل منها مع طبائع المستبدين بالقهر، والمُجْحَفين بالحرمان، والمُسْتَعْبَدِين بالذُّل.
مستبد بإهمال الخاضعين لتبعته، أوإدارته، أوتعليمه، أوأسرته، أورعيته، متلذذ فيه بالتغافل عن انشغالاتهم، من متعلقي مهمته وتكليفه.
عرفتُ أحدَهم يوصله سائق الشركة إلى بيته، يدخل ويتركه رهين السيارة بين المقود والكرسي ينتظر تناول غدائه، استهتارا بجوعته، لا سَدَّهَا عنه، ولا منحه فسحة الغداء في مكان آخر، ولو فعل لتضاعف ثوابه، ولشعر بالتكافؤ الإنساني، وعندما سئل، قال، هذا السلوك اللائق بهؤلاء.
مقصد المستبد ودخيلته النفسية الاستعلاء، ووضع غيره تحت بطشه، وصيانة امتيازات سلطانه لاستجلاب مكانة مؤقتة، يسلك لها أي سبيل، فالغاية عند المتجبرين تبرر الوسيلة.
يستحمر الناس، خشية مساواتهم له ببلوغهم مبلغه، أولسوابق معنوية، أوخصومات حاقدة ماضية، تصل ترسباتها في القلوب درجة إلقاء انشغالات المكلفين بهم في سلال الإهمال وتعطيل المصالح، ليبقى قويا والمحتاج في وهمه ضعيفا.
يتولَّى المهمة ليستأثر بالتمييز بين الناس، تيسيرا، وتعسيرا، لِيُرَى شامخًا، فيقال مدير، مفتش، مسؤول، قائد، عظيم، بألقاب أسدية على وبر هِرٍ، لِيُتَوَسَّلَ إليه، بتقبيل اليد والرأس ورشوة المال وإحصاء ألف حساب مرعب قبل طلب مقابلته.
مدير في مصلحة عقارية لا يهتم بتسوية الملفات الجاهزة قانونًا، لا يصادق على قبولها، ولا رفضها، لا يقابل المنتظرين، لا يحاول إشعار نفسه بغم تزاحمهم على الانتظار، يعود المعنيون إلى بيوتهم غير غانمين، حتى مات فوجد خليفته الملفات ملوية وراء الخزانة، فلما أخبر رئيسه لعنه وهو في قبره.
هَمُّ المستبِد بالإهمال أن يُرى من خلال طوابير وقاعات الانتظار وحقول المزارعين وأروقة المستشفيات والمؤسسات الصناعية والتعليمية والتجارية خارجا من مكتبه أوداخلا إليه أونازلا من سيارته بزي الطغاة المهابين وَهْمًا ومِخْيَالًا.
تستفرد به القضايا والصفقات الشخصية بعيدا عن كلفته، يتغافل عن حاجيات الآخرين، لا يضير عنده لو مات أحدهم دون قضائها أوتأجيلها، لأن مقياسه نفسه.
يتلذذ بالتغاضي عمدا عن المعذبين بين الغدو والرواح والانتظار والصفوف والقاعات ومسافات السفر والمصاريف المختلفة المتعددة، ليبقى في عيون الضعفاء صورة للكبرياء، فيشار إليه بالبنان الهامس، فإذا وجد المحتاج مُنْقِذًا فاضلًا أقوى من المستبد، تلوى كالثعبان مبررا لكل خطيئة، ومعاتبا على إخفاء علاقته بفلان لِتُقْضَى حاجته في حينها.
قد لا يكون لمثله ملجأٌ أومأوًى أومتكأٌ أسري أوعشائري أوقبلي أوأصل شريف، لا يؤبه به فيفتعل ذلك لِيُعْرَفَ، وينسى أنه لو بذل للناس، وأعانهم، وقضى مصالحهم بالأخلاق والقانون لَعُرِفَ واشتهر وتشرف، ورفع قدره بين الألسن والعيون والأكارم، وبعد الإحالة على المعاش يشتاق إلى أبسط إشارة تحية من الناس، لأن استبداده لم يشفع له وقته.
يُعتبر إحدى لبنات وأساسات التنشئة على استبداد السلطان، فيختار التبغيض لنفسه مِنْ ظَنِّ الإجلال، يُتكبر عليه ببشاعة، إلا من ساقته حاجته إليه مكرها لا بطلا، إنه طغيان التجاهل.
مُهملُ الناسِ المتلذذ بعذاباتهم وبالتغابي عنهم يتناسى عواقبه الحتمية يوم يصبح مكانهم، فيجد صدودا انتقاميا، فيتحسر له، أورأفة من أحد مظلوميه يبتغي الله وثوابه أوقبول توبة أوتثقيل ميزان حسنات، فيندم له، ليفتقد كلمات التوبة والاعتذار ومحو السابق والتعويض، وقد تخطفه المنية قبلها.
علاج مثله لابد أن يكون احتياطا قبليا كوقاية استباقية، تذكيرا بالموت، والجزاء الذي سيكون من جنس العمل، وبرحمة الله للراحم، وبثوابه لكل عاملٍ صالحا من ذكر أوأنثى وهو مومن، فأولئك لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
Tags:
ثقافة