تنجيش التمحيص التدافعي الفاضح

صراع الباطل بجولته مستأثرا بغنائم الفساد، والحق بصولته، أزلي سنني كوني.
المُحِقُّون يَمُجُّون التغلغل بين المبطلين، لضرر عشرة المال الحرام، ومعاقرة الخمرة، والقتل، ودفق الماء في محل الغير، وتمكينه بالقانون التشريعي والاجتماعي العرفي، لرؤيتهم برهان ربهم، فيخلو التسلط للمبطلين ليعربدوا ويحتلوا ويسيطروا ويتفاشوا ويتعاوروا خيرات البلدان ونزواتها، وتجميعها في الأعراق والعروش والعصبيات والحزيبات والثقافات واللغات، كركائز يتذرع بها لتمرير ألوان الاستحكام.
وإذا طمّ العفن الحيواني في البشر، وتَفَلَّتَ من مصارفه القذرة إلى روابي الدنيا ليهلك جَمَالَ الحضارة الخضرة، وتضايقت البشرية وشعرت بهبوب الخراب من كل صوب يُنَغِّصُ متعة حياتها، نهضت الغيرة، وانبرت الهمم تُرَجِّحُ كفة الحق، ليطيش الباطل المتربع على الهرم من قاعدته السفلى إلى زاويته العليا، لاسترجاع الكون المسروق والمختلس والمغتصب، جميلًا يسيح أهلُه بين مُنْعِشَاتِه بعد إعادة نَضَارَتِه.
يستعجلونه أحيانا بغير سُنَّةِ النَّصَبِ والانتظار والصبر على اللَّأواء والتقلبات وغربال التمحيص الذي إن صَفَّى رملا بطأ، فمن باب أولى الإنسانية بنفسياتها ومعنوياتها ورغباتها ومكارهها ومحابها ومبغضاتها، وكل أسباب تقلبها كالقدر إذا أجمعت غليان الماء.
ولأن الحق لابد أن يعلو منصة النصر صافيا كافيا لا شِيَةَ فيه، وهو بناءٌ شاقٌّ طويلٌ لا هدمٌ يسيرٌ سريعٌ، يقتضي مراقبة تربية حامليه لتحرير ميادينه من التسللات الماكرة للمبطلين، وجب بلا مناص تهدئةُ شدة الشوق إلى إسعاد البشرية في عقيدتها وآدميتها ومصالحها، بالتميز النقي في الصفوف إيمانا وفكرا ووعيا.
لأن أهلها إن تمسكوا بالقيم والمبادئ والأحكام الشرعية والوطنية والقانونية، ولم يخترقوا المجتمعات الظلامية في دهاليز الفاسدين لِعَطَنِ ريحهم، فإن الفُجَّارَ لهم قدرات عجيبة على الاصطباغ بكل الألوان، راكعون ساجدون كاذبين، وطنيون خيانةً مع الوطنيين، قوميون عمالةً مع القوميين، ملتزمون نفاقًا مع الملتزمين، متشيطنون صدقًا مع الشياطين، يؤاكلونهم بالبسملة والحمد، نهارهم معهم يَبُثُّون بينهم سموم الوَهَنِ والفرقة والفتنة، يُهَيِّجُون في قلوبهم شهوات الحرام، يحيلون غرائزهم الفطرية إلى وَمْسٍ، وليلهم تدبير خِبِّ النهار، وسلقٌ بأَسِنَّةٍ حِدَادٍ، ثم يأتي المخلصون مستعجلين ذاهلين عن هذه الطفيليات الضارة المؤلمة رغم بَعُوضِيَّتِهَا وذُبَابِيَّتِهَا، إلى حال اليأس برؤية قاذوراتها، ظنا أنها متحكمة في الواقع بِنَفْثِهَا، فَيُفْتَنَ بها بعضهم، غافلين عن افتضاح نفاق جلودها، وحقيقة سرائرها.
وما يجري هذه الأيام ضد توجهات مقبولة وطنيًّا، ضربٌ من هذه الألوان، رغم تحفظنا من النقائص الكثيرة.
فلا يعقل أن يبقى ظن الناس بمتوشحي الرايات الحمراء حسنا مغفلا، وقد كانوا يظهرون الوطنية والفلسطينية والمهنية والعمالية والسياسية وكل ألوان الاستقامة، ففضحهم الله بِتَنْجِيشٍ عَرَّاهم وخلفياتِهم، لينمو وعي المُغَرَّرِين بهم سابقا رسميا وشعبيا.
معارضة الصلاة في المؤسسات التعليمية، وحرب اللغة العربية، ونحيب الفرنسية، والدعوة إلى سالف الغبرطة، والتدخل في اختصاصات عليا، بإيحاء الأمر والنهي في صورة مطالب نفاق على مسارح الندوات والميكروفونات هَتْكٌ ذاتيٌّ، وتدحرُجٌ من منصات براءات كاذبة اشْتُرِيَتْ بها تأييدات منخدعة، وإنباء عن خلفيات تؤلمها أنَّات نهايتها.
قد تكون لها دُولة جديدة لكن لن تصل شدةَ سابقتها، لذبول أسباب استمرارها، ومنها الوهم المصداقي.
فليحمد اللهَ البَارُّون ببلادهم ودينهم إخراجَه أضغانَ الأَفَّاكين، ليسلم لهم السبيل طاهرا غير مُكَدَّر، فرب ضارة نافعة، فلو لم يفضح الله منافقي المدينة ما تراصَّت صفوف المؤمنين، والنبي ﷺ قَبِلَ في الحديبية بقاء المتولين عند المشركين، لِتَعْذُبَ ساحة الإيمان كالجنة الغَنَّاءِ، فلِيُنْظَر في الأضرار والاعتبار والاتعاظ بها للخروج إلى النفع الكامن فيها.
وليوقن أهل نور الله بإفراغ السُّنَنِ الأرصدةَ الخادعةَ، فتهزل كالقِرَبِ الخاوية، لينصرف عنها المُضَلَّلُونَ، ويتحيزوا إلى فئة الحق.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم