الاستبداد والتنازل عن الحقوق

أحكام الله تعالى جالبة للمنفعة دارئة للمفسدة، يكافىء على الواجبات دون حيلة العبد للتقصير، وفسح تعالى للأمل في الحق بعد الواجب، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال {كنتُ رَدِيفَ النَّبيِّ ﷺ على حمارٍ، فقال لي: (يا مُعاذُ، أتدري ما حَقُّ اللهِ على العِبادِ، وما حَقُّ العِبادِ على اللهِ؟ قُلتُ: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ، قال: حَقُّ اللهِ على العِبادِ أن يَعبُدوه ولا يُشرِكوا به شَيئًا، وحَقُّ العِبادِ على اللهِ ألَّا يُعَذِّبَ مَن لا يُشرِكُ به شيئًا)} رواه البخاري ومسلم.
العباد يصيبون ويخطئون، وتتدرج بهم التقوى والصلاح نحو العدل والرحمة، فَيُرَقُّونَ السلطان إلى العدل حذرًا من سطوة المتمسكين بحقوقهم، ويتقهقر بهم الفساد نحو الظلم والفساد، فينكسونه الاستبدادَ بتقادم التنازل عن حقوقهم.
التشبث بالحق يوقظ الضمير من لصوصية الغفلة، والكسل عنه يجرىء الظالم على الساهي عنه.
يتغنى العبد بحريته، وعندما يذهل العقل أنه مستَبَدٌّ به، يفقدُ غريزة الدفاع عنها، ويتوهم أنه صاحب القرار، فيدافع عن القهر الذي وُضع فيه ولا يحاول الخروج منه.
تُصَوِّرُ لفظة الاستبداد في الأذهان قهر الطغاة لرعاياهم، لكن ارتباط سلوكات البشر بأسبابها واتجاهاتها وخلفياتها، يُسَائِلُهُمْ عن بسط فُرُشِ الطمأنة للمستبد.
أوهم فرعون قومه هالةً إلهية، فلم يَرَوْهُ بشرا مثلهم، وتخلوا عن حقوق إنسانيتهم وسلموا له نفوسهم، فاستخفهم فأطاعوه، واستعبدهم واستبدَّ بمصائرهم، "فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ"الزخرف/54.
إذا اكتفى الناس بالواجبات دون حقوق، اهتموا باستئناف الحياة بأقل وسائل وأساليب العيش.
عَلَّمَنَا القرآن سحر الطاعة العالمة المنشرحة صاحبة الاستفسار عن حقها المقابل، للامتثال ببينة وحق السؤال بكرامة، لتنطبع الطاعة بالاقتناع، "لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ"الأنفال/42.
تعلم الناس معاني الحرية فتمسكوا بحق الاستقلال الذاتي الفردي والأسري والاجتماعي، حتى المرأة منعت استبداد وليها بحقها.
عن عائشة رضي الله عنها أن فتاة جاءت إلى النبي ﷺ، فقالت "يا رسول الله، إن أبي زوجني ابن أخيه يرفع بي خسيسته"، فجعل ﷺ الأمر إليها، قالت:"فإني أجزت مع صنع أبي، ولكن أردت أن تعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء"، أخرجه أحمد والنسائي.
أحيانا يُوَارِي الحياءُ المبالغُ الحقَّ، فيُتَنَازَلُ عنه، ويبتزُّه المستكبرون.
عمال ومسيرو المؤسسات الكاتمون حقوقهم، يتحملون العُتْبَ مع مديريها المستبدين، إنْ اهتموا بمجرد الدخول والخروج، دون التماس الامتيازات الممنوحة قانونًا، والوافدون على الإدارات الخدماتية، إن عادوا أدراجهم بسبب صروفات كاذبة.
الرعية إن أشركت بالله السلطانَ انحناءً وتقبيلًا للأيدي، اتخذها مغنمًا استبداديًا للإذلال، فيحق للمستبدين الردُّ على ضحاياهم بجواب الشيطان، "وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي"إبراهيم/22.
الجهل بقيمة الحق، وبخطر التعبيد الطوعي، تجمل لكل مستبد خلعات القهر والعجرفة.
لا يمنح للإنسانية قهر المستبد، إلا بتأديب المقهور وتعليمه وتوعيته، لأنه استعذب الظلم والاستضعاف وشجعه على الجرم بتنازله عن حق صيانة قيمته البشرية، وفي كتب الفقه ينتثر تخفيف العقوبة من القطع إلى التعزير، للمختلس والخائن والمنتهب، لمساهمة صاحب المال بقلة احتياطه أوغفلته أوضعفه.
الغرب استبد بالعَالَمِ لتنازل البقية عن حقهم في استقلالهم بالغذاء والدواء والسلاح.
بطش المستبد لا يبرر التنازل عن الحق، لأنه مجرد رعشة تصيب الجبان وهو يرى أنياب المفترس تكشرت، أويسمع مدافع وطائرات العدو زمجرت، فخار عن حق الدفع.
على الإنسانية إناطة قيمتها بصون حقوقها، وتعلمها ووعيها، وتحسسها للخروج من حالة الذهول وفقدان غريزة الدفاع والتمكين الذاتي، لتتحول من صراع بين الراعي والرعية على الإثم والعدوان، إلى تعاونهما على البر والتقوى.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم