لا تقتصر مخلفات الحروب على الغنائم، والمعهود في الملاحم العامة أن تخمدها وساطات وعقود وعهود وشروط ومصالحات، وفك الارتباط بين المتحاربين، يتحصن كل منهم من استقواء الآخر عليه مجددا.
بعض قومنا يُصِّرُّون على اعتبار الفرنسية غنيمة حرب يجب جلبها من ساحات المعارك الاستعمارية إلى الديار المستقلة.
الغانمون يُضَارُّون العدو ويفيدون بما أخذوا وأفاؤوا، كالأسرى، إلا المتعلقين بفرنسا فيعكسون، بإفادة الاستعمار بعد اندحاره بفضل الله، ثم تضحيات المجاهدين.
إعذار الجزائريين المعاشرين للاستعمار في لكناتهم بالفرنسية طبيعي، بسبب المسخ الصليبي للغة أمتنا لقطع العلاقة بالقرآن والإسلام.
العارفون لقيمة الوطن والدين تعلموا اللغة العربية بانتهاء السطوة الاستعمارية، لوعيهم القوي، أوعلاقتهم بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين الباذلة كل الوسع في صيانة لغة الدين والقرآن من الطمس الاستعماري، لسان حالهم يقول انتهى الاستعمار فانتهى كل شيء.
بعض قومنا أرادوا بسذاجتهم الإبقاء على الاستعمار جاثما بيننا ولو بلغته لسلخ الأجيال، حتى التي لم تعايش بطشه.
لا أبتغي إلغاء اللغة الفرنسية من العلوم الكثيرة المختلفة خاصة المتعلقة بالتكنولوجيا والصناعة والترجمة وغيرها، لكن في حدود العلوم والآداب، ومثلها اللغات الأخرى كالعربية بالدرجة الأولى ثم الإنجليزية.
اشتراط الفرنسية للتعليم قصور، والإشغال بها جهل الكيد ضد العربية، والتجرد للعربية وفقط غفلة، والانسياق وراء تدهوراتها العامية إهمال لأصولها القرآنية.
بعض منا لا يميزون بين ميراث العلوم، وميراث الانسلاخ الاستدماري.
تبكير الاستقلال بالفرنسية نحو التفتح العلمي العالمي وبلغاته تدرج مقبول، أما التقوقع عليها كل الزمان، ومراحل التعليم، فتخلف حضاري ممقوت، وجناية على أجيال التعليم، وغلق أبواب الارتقاء نحو تقنيات وعلوم ولغات العالم.
الأمم تتفاوت حضاريا، فمن حق بلادنا البحث عن أرقاها لاستمداد لغاتها وسيلة لسبر أغوار تعلماتها، والتعامل العلائقي مع أهلها، وتيسير التواصل والسياحة بالخصوص.
اعتبار الفرنسية غنيمة حرب كمقدس تاريخي لا محدود غير مقبول وطنيا، لأنه يرهن مستقبلنا الحضاري أمام الأمم، ينتج عنه استئناف فصل حاضرنا عن ماضينا الحر، وإعاقة انطلاقنا نحو الكون الفسيح بلغاته الكثيرة، وأمارة ارتباط عقدي فكري بجلاد لم تندمل جراحات الجزائريين من عذاباته.
التفتح على اللغات يبيح قراءة مؤلفات فرنسية ولو بالترجمة العربية، دون المرور إلى الارتباط المقيد.
الوعي الحقيقي بالفرنسية لغة وعلما، يمنع الفرد من لوك اللسان بها مع الجزائريين، دون اضطرار، ولا تفضيلها على العربية لغة القرآن، في الشارع والبيت والمؤسسات، كأداة احتلال و هيمنة و تفكيك للوحدة الثقافية الشعبية.
بعض التجار يجيبونني عن الثمن بالفرنسية، فأُذَكِّرُهم بقيمة عربية نتبادل فهمها، أُذَكِّرُهم بجرائم فرنسا في بلادنا وأجدادنا، ولو يسمعون أويرون الصور وفيديوهات بشاعتها، لما تَلطَّخوا بلفظة فرنسية واحدة بدون اضطرار.
لا أمانع مرافقتها لِلُغات أخرى في التعليم شريطة توعية التلميذ والطالب بحدودها الحتمية مقارنة بالأرقى كالعربية والإنجليزية.
قد تكون للإصلاحات التعليمية في المشروع الجديد مثالب، لأن عمل البشر معرض للصواب والخطأ، لا وحي معصوم، لكن يصونها إخضاع التفكير والاقتراح والتقييم لخبراء وطنيين مخلصين، لا حزبيين ولا أجانب غربيين ينتهزون الفرصة لفرض مناهجهم ومراداتهم، بغثها دون سمينها، في استعمار ثقافي متواصل.
على مُخْلِصِي بلادنا الوعيَ المميِزَ بين الفرنسية العلمية الأدبية النافعة، والفرنسية الحاملة قيود الاستعمار، وأنَّ الإصلاح شامل لا يقتصر على عنصر خاص.
وعلى الموالين والشغوفين بفافا وشوارع باريس من مواطنينا، أن يوطنوا أنفسهم جيدا، إما التوبة للوطن وتقدير تضحيات أجدادنا وترك دفاعهم عن الفرنسية غَزْوًا استعماريًّا، أوالإعلان عن بتر الهوية وقطع الحبل السري الجزائري، لتُعرف مبتغياتهم، فيمضي الشعب في نهج واضح مستقل.
Tags:
تعليم