الإصلاحات التعليمية تداعيات واحتمالات

النقاش حول القضايا الوطنية، وتبادل الأفكار والآراء حولها رائع، يعبر عن إشاعة جو من حريةٍ ولو مقيدة نريد فسحها أكثر، لنسجل تعاونا حضاريا راقيا على البر والتقوى، ضد الإثم والعدوان.
بشرط تفشي الصدق والعلمية بيننا انطلاقا وقصدا، لئلا نتجاذب حديث الطرشان، وأن يخوضَ في كل فَنٍ أهلُه، تجنبا للتطاول الجاهل، وإلا أصبحنا كمن قال فيهم السيد رابح سعدان شيخ المدربين، "أصبح خمسة وثلاثون مليون جزائري يفهمون في التدريب".
مقالي الأخير {المدرسة الجزائرية تفضح المتغبرطين} يعبر عن الثابت الحقيقي الاقتناعي في موضوع إصلاحات وزير التربية الدكتور محمد صغير سعداوي، عموما لا تفصيلا، لكن لا يحسن البناء على الأمل أواليأس أوالألم بشكل نهائي، لاحتمال ورود المجهول أوالمفاجئ، لأن مُطْلِقَ المبادرة أومحركَها يدري مآلها قصدا، أويغفل عن احتسابه.
فلا أحد يعلم طبيعة السرداب المستور وراء النور، فالثور تحجب عنه الحقيقة بالستار، سواء كانت حسنة أوسيئة، موافقة أومخالفة.
ولأن أغلب الحركيات الإنسانية لا تخلو من ردود، فقد يكون وراء لطميات التباكي حول دحرجة الفرنسية أكمات وخلفيات:
1/ كالتستر على ظلم اللغة العربية قديما وحديثا، فلغة الإسلام وكتابه لا تُلغى من المستويات والشُّعَبِ، لأن التعليم باللغة الأم للأمة تيسير ضروري، وتجارب غيرنا، كالصين واليابان وكوريا ماثلة، خاصة مع الضّعف الخطير الملاحَظ على الأجيال بلاغة ونحوا وتصريفا وأدبا، لكن جمهرة واسعة انساقت وراء الصخب، مُعَارِضَةً، فدعمت الجور على العربية تبعًا، أومُوَافِقةً فسهت عنها رادَّةً شراسة الفرنكوفيليين، تحسب التلميذ نال حقه الكامل منها، وهو لا يفرق بين اللفظ والكلمة.
2/ المناورة بالعربية لتعبيد طريق دحرجة الفرنسية، لكن إرضاء قوم على حساب آخرين مرفوض.
3/ التعمية عن سياسات وتشريعات وحوادث، فَحكومات كثيرة تصرف الانتباه الشعبي عن نوازل أومستقبلات بلغط شاغل.
4/ مراقبة الميزان، لاختيار الكفة الراجحة وغنمها.
5/ تغطية الأجواء الخصامية بين الكناباست والوزارات المعنية، بجلجلة خارجية، لتفويت فرصة الدعم والتوتر إلى أن يُبْرَمَ فيها.
وقد يكون إفشاؤه باكرا اختبارا لردود الأفعال المختلفة والترجيح بينها لاستئنافه أوتأجيله قبل الدخول المدرسي حسما لإشكاليات برمجية، مع إمكان جاهزية الخطة البديلة.
إنني أدعو إلى المضي في المشروع، وتصحيح الخلل الطارئ على المواد والشعب العلمية والتقنية والإنسانية، ولغتها العربية، لكن أنصح بالتريث التفاعلي اتقاء صدمة عكسية محتملة، خاصة مع تحركات واضحة للناطقة باسم اللوبي الفرنكوفيلي وعرابة فرنسا نيابة عن الخُنَّسِ وراء الجُدُرِ العلمانية الظلامية، وقد يكون تدخل الوزارة الأولى لتأجيل الدخول المدرسي إرهاصًا استدراجيًا مريبًا، والزمن كفيل بالبرهنة.
وقد تثبت السلطة على المشروع كمرحلة ضرورية تبعية لفك الارتباط بفرنسا ووصايتها، وإنجاح التحالفات الجديدة مع الأنجلوسكسونيين ابتعادا عن مفارقات تفعيلية، إذا استمعت لمساندات الأغلبية الوطنية، واستهانت بضغوطات الأقلية الفكرية.
ومن أدلته تخريج دفعات جامعية تعليمية بشهادة اللغة الإنجليزية.
وهنا يمكن اختبار مقصد معارضي المشروع رغبة في التفتح على اللغات المقبول فكريا، أوارتباطًا بفرنسا المرفوض وطنيا.
وطبيعة الموافقين تفتحًا مباحا على عالمية الإنجليزية، أوتوجسًا من فرنسا وهو مردود، فالاحتفاظ بتدريس لغتها، ليس بالضرورة دخولا تحت وصايتها.
لذلك يتعاطى مع هذا الموضوع ثلاثة:
متفاعل ظاهر مُعْلِنٌ عن موقفه الموافق أوالمعارض.
متفاعل موافقٌ مختفٍ يخشى تكالب المعارضين.
متفاعل معارضٌ مختفٍ يخشى اتهامات الموافقين.
والعلوم تكتسب بجميع اللغات، التي هي آيات ربانية، ولو لم تكن فرنسا غبية لتخلت عن النظرة الاستعمارية الاستعلائية، ولم تبتز بلغتها جوانب قيمية واجتماعية واقتصادية، ولَحَوَّلَتْ احتكاكاتها إلى علاقات وشراكات رابح رابح.
فينبغي التعاطي مع التداعيات الوطنية بأناة حتى يتبين رجحان إحدى كفتيْ الميزان.

الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم