المدرسة الجزائرية تفضح المتغبرطين

السنن الربانية الكونية تحتم صولة الباطل، ودولة الحق، ورجوع النصيب إلى أهله، وأفول المتغلبين الجائرين، ولو سادوا برهة. استمعت لحوار صحفي كان ضيفه "محمد سعيد الصحاف" وزير خارجية العراق سابقًا، الناطق الرسمي للرئيس صدام حسين رحمه الله أثناء الغزو الأمريكي قائلا، "سيعود العراق إلى أهله"، انتابتني حيرة العودة وقد أحكم متعصبو الشيعة القبضة عليه، يَقْضُون بإذن الدولة الفارسية، لكن أحداث الأيام والدهر أظهرت لي بدء العودة. منذ استقلال الجزائر والسجال قائم بين التربويين التعليميين الدائلين من الشعب، والصائلين الملتقطين فتات فرنسا. ظهرَ جليًّا بين فترة استوزار بن غبريت والدكتور محمد صغير سعداوي. بين الانحراف التعليمي والعودة المدروسة لاستقامة المدرسة الجزائرية. بين جمهرة وطنية تريد تطوير التعليم بكل مواده، والعودة إلى الجذور الوطنية الضاربة في العمق الجزائري، وقلة تبتغي ربطنا وأبناءنا المتمدرسين والجامعيين بفرنسا. كانت مطالبات مؤدبة على الوزيرة لتصحيح الانحراف، وخالفه هجوم شرس غير مضبوط على الدكتور محمد سعداوي للعودة إلى الميراث الاستعماري كما يريدون إقناعنا به. ربما مطالع مقالاتي الكثيرة عن الحراك الاحتكاكي بين الراعي والرعية يدرك مدى قيمة حرية الرأي في حِملي العقدي والفكري، وبغضي للإكراه والقهر والاستبداد، لكن قوم فرنسا عندنا لم يفرقوا في تعجرفاتهم بين الوسائل والأساليب النافعة والضارة، فليس من حرية الرأي الشتم والتعصب وفجور العمالة في وضح النهار، إنما الرأي أن تناقش الأفكار لا أهلها، مع الحجج والبراهين المقوية للطرح، لا أن يُتَّهَمَ صاحبُ مبادرةٍ بالانحياز الإيديولوجي، وكأن معارضيه يطوفون حول الكعبة وهم يلوكون الكلام ولا ينطقون جملة صحيحة عربية أوأجنبية، لِيُنَظِّروا لصالح مستعمر لا زالت كدمات جراحه على بلادنا وأجدادنا لم تندمل. الحوار حول البرامج والمناهج والتربويات والكتاب المدرسي وفترات التدريس والجانب الاجتماعي للأستاذ ليعكس تحسين المردود العلمي والتقني للتلميذ، أشياء رائعة، لكن بعدم الاقتصار على مفاسدها دون منافعها، وباستصدارها من عمقنا الوطني، بمؤهلات علمائنا وطاقاتنا لا استمدادا من فرنسا، ولا اهتماما بلغة مع إهمال المواد الأخرى، مما يفضح إرادة غير سوية. يجب الاستفادة من التجارب الإنسانية الناجحة، ولو من فرنسا، لكن بتمييز الغث عن السمين، ويحق للجميع، لا لطبقة معينة الحكم على الإصلاحات، لكن بانتظار النتائج التطبيقية، ومؤهلات تلاميذنا واستعدادهم لخوضها، وإن فشلت سنكون أول المنددين بها. حملة شعواء فضحها تطاول البعض دون سائر الاختصاصيين، تستغفلنا عن اهتمام المشرع التعليمي الفرنسي باللغة الإنجليزية على حساب لغته الأصلية. إنهم يريدون تركيب قالب إيديولوجي على عجينة لا تناسبه، ودليله سكوتهم المطبق الراضي عن الجرائم المرتكبة ضد التعليم، حين تم التدرج في طمس معالم العلوم الإسلامية واللغة العربية التي رأيت كتابها المدرسي يعج بالترهات البعيدة عن التقعيد اللغوي والنحوي والتصريفي الصحيح العميق، لتخريج ملامح فارغة. ودليله تلويحهم بالعلوم الإسلامية واللغة العربية، والدفاع عن الفلسفة، والصَّوْبُ المُتَوَجَّهُ إليه هو الفرنسية. إما أنهم يهدفون إلى تمريغ أنف أصالتنا الوطنية في الوحل الفرنسي، لإقبار أبنائنا، أوفرض تعليم فرنسي يتنافى مع هويتنا، وهو تسليم عقول النشء للغرب، ليمسخ دينه ولغته، لأن اللغة رابط قوي ببلدها وقومِها بأعرافهم وتقاليدهم حُسْنًا أوسُوءً. إنهم يدركون مكانة اللغة في حمل الهوية، ولأن اللغة الإنجليزية حاملة وخم تقني علمي أقوى من الفرنسية، يَضُجُّون بهذا الشكل غير المسبوق، فَرُبَّ ضارة نافعة، وَرُبَّ نافعة فاضحة. أنصح هؤلاء أن يرحلوا إلى فرنسا ليتمتعوا بما شاؤوا من لغة وطَمْرٍ شريطة الالتزام بلغتها لا بالإنجليزية كما هو معمول به فيها، وليتركوا الهوية الإسلامية تستفرد بأهلها.

الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم