سنن الله وحياة الدول

قال الرئيس السوري أحمد الشرع: {إذا بُنِيت الدولة بشكل صحيح تُعطى فرصة البقاء لوقت طويل}.
لفتت عبارته انتباهي بلفظة {الدولة}، وليس الأمة، وقيدها بــ{لوقت طويل}، لا بالدائم، فالأبدية للأمم، أما الدول الحاكمة فتعيش وتزول، لذلك ذكرتُ {وحياة الدول}، لا {حياة الأمم}، إذا بنيت بشكل صحيح، ولن تبقى ولو قصيرا بالبناء الخاطئ.
تقضي سنة الله أنَّ للدولة صَوْلَةً مُسِنَّةً بِعُمْرِ الإيمان والعدل، والقيم الموافقة لمبادىء الزمان، فركيزتها المقوية لصمودها أمام عاتيات الزمن هي تمسكها بأسباب طول العيش.
لا تُمنحُ البقاءَ وقتا طويلا، لأن بناءها بشري يعتريه الصوابُ فينفع في ركنه، والخطأُ فيتدرج في الزوال بأمراض إنسانية وعلل سلطانية وتذمرات شعبية.
ولولا قانون الله في غلبة الباطل لِتَفَكُّكٍ في أصحاب الحق، لَـمَا عُرِفَ قدرُ العدل حَبْلًا للتعمير، وخِسّةُ الباطل سبيلا للفناء.
وبالانسجام الحكمي المتعاقب لرعايا الدولة كوصايا مدونة أوموروثة عمليا وشفهيا، تتسلق المعالي، وتكسب المناعة الذاتية الداخلية من عاهات الانهيار، والمنعة الحامية من استغلال الخصوم.
إن سنن الله في التمكين قواعد مستقيمة، الانحرافُ عنها سياقة نحو الهاوية، مخالفتها في الاستقرار سوسة تقرض الجسد حتى يشيخ فيموت، كما نخرت دابة الأرض مِنْسَأَةَ سليمان عليه السلام، فضعف إسنادها فسقط جسده الشريف تعريفا بموته.
التدبير الإنساني له تأثير على سرمدية الدولة أواضمحلالها، وأمثلته:
1/ الاستنكاف عن وراثة الرشد القيادي، تنازليا بين الأجيال المتواردة، فتتخالف ذهنيات وعلوم وثقافات وهمم الحكام المتعاقبين، وتبتعد عن قواعد تأسيسها، فيتناقص السداد، فيضعف سير سلامة الدولة.
2/ التنافس السيء على المناصب، فَتُنَاطُ بغير أهلها، ليتحملوا تبعات أكبر من قدرتهم، فيسيؤوا الكفاية، فَتَبْلى بسببهم نحو الردى.
3/ إفلات التحكم من يد السلطان، لاستقواء المكلفين بالأهواء والغرباء.
4/ زوال العدل وعموم الظلم المؤذن بخراب الدول، ليستفزَّ أصحابَ الحقوق، ويُجَرِّىء الفسقة ليضطرب الصغير والكبير.
5/ التوسط الخارجي بين الأطراف المتنازعة، ليفتن أصحاب الحق، ويسند المبطلين، فتقع الخصومات والحروب فيزول إجلال الدولة، وينهال عليها الاندثار كإهالة التراب على المقبور.
ذلك وغيره حدث لدول ضُرِبَتْ أمثالًا في الحضارة والبأس الشديد، فمملكة سبأ توارت عن الإيمان بالله، وكفرت بأنعمه، فغضب صاحب الإحسان، فسلب منهم بحبوحتهم بالتنكر لشكره، كما يتمعَّض أحدنا من إهمال جميله، مع بون شاسع بين الله وغيره، تفضلًا ومنعًا.
انتهى مُلك فرعون وقارون وهامان بعد ادعائهم الجبروت بغير الله.
وقلب الله النار على الملك ذي نواس، زُرْعَةَ بْنِ تَبَّانَ أَسْعَدَ الحُمَيْرِي، المتظاهر بالإيمان استغفالا لرعيته بعد تصديقهم بالله، فظلمهم بعدها، وَخَيَّرَهُمْ بين الرِّدة أوأخدود النار، فاختاروا الله والدار الآخرة، وصبروا ليلقوا ربهم في الجنة.
وواقع المسلمين المترهل بالتدريج بعد الخلافة الراشدة، فأفلت مملكة المسلمين، التي رحم الله بها العالمين، وخسر العالم منافع وغرق في مفاسد بانحطاطهم.
تُبْنَى الدولة، ثم يَدُبُّ فيها السرطان السلطاني والاجتماعي والأسري والفردي، كدبيب النملة السوداء في الصخرة الصماء، أوكسريان الشيطان في ابن آدم مسرى الدم، لتنتظر نحبها، ليستبدل الله بها غيرها، فيختبر الجميع في اختيار الإيمان أوالكفر، والعدل أوالظلم، ليحاسب كُلٌّ بانتقائه، فلا يُظْلَمَ يوم القيامة أحد.
ذلك تُنْصَحُ به البشرية إذا أرادت البقاء الكلي، ولو بتعاقب الأفراد على الولادة والموت، لأن ثبات الدول لا يتحقق بالنزاع الظالم المُضَارِّ بحرق الأخضر واليابس، كما يجور به مشاكسون رافضون التضييق على المخدرات، ومنع تزوير كشوفات استيراد العجلات، ودحرجة الفرنسية في التعليم.
استمرار الدول لا يكون بوهم {نحكمكم أونحرقكم}، كتظاهر بطانة الظالم {إما الأسد أونحرق البلد}، وستتسبب فِعالهم في اندحارهم، لتحلَّ دولة الحق على أنقاضهم.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم