مُصارِع الثور "الماتادور" بالقماش الأحمر "الموليتا" في حلبة "لا بلازا دي توروس"، يخوض اللعبة لإثارته بسرعة تحريك الستار، وهو مشحون بيقين إرهاقه للانتصار عليه، وغرس الخنجر في ظهره بعد خوره، ولو غلَّب على نفسه إمكان الإخفاق للحظة لنطحه الثور وقتله، لأنه سيشتغل بخشية الهزيمة عوض الفوز، وهذه اللعبة لا يخوضها إلا مُفْعَمٌ مُخاطِرٌ يؤمن بالصراع والظفر فيه.
ولو فكر الطالب مرة في صعوبة التعلم ما وصل إلى المعالي وهو قادر عليه.
كان عبيد وخدم وحاشية فرعون يعلمون افتراءه وكذبه وادعاءه، لكن كانت الخشية من سطوته تعمي بصائرهم من سوء العاقبة لو جهروا بالحق، لِتَمُكُّنِ وهمٍ صدَّأ الأذهان.
وكان قوم موسى يتكهنون عواقب مختلقة بوجود قوم جبارين فأبوا دخول الأرض المقدسة، {قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ}المائدة/22، {قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}المائدة/24.
أثار عقيرتي نحو هذا الموضوع مشاهدة لقاء كروي بين المنتخب السينغالي المتغلب على منتخب النرويج بهدفين لصفر، وعوض تكثيف الضغط الهجومي لحسم الانتصار والتأهل، حدث تراجع رهيب للوراء والتزام الدفاع ظن الحفاظ على النتيجة، فانقلب الفوز إلى خسارة بسبب عاهة ذهنية عِلَّتُها تمييع الشجاعة نحو خوف من الخصم أدى إلى انقلاب المباراة، حامله عقدة النقص أمام هاجس عمالقة الكرة العالمية، فلا داعي للمغامرة أكثر معهم، وهو دأب الإفريقي كما يسجله العارفون بالشؤون الاجتماعية والأممية، فألَّبَ الغربَ لفرض وصايته عليه حِقَبًا لم تَزُلْ بعدُ.
حدث التسليم القدري لفرنسا من قبل طوائف عطلوا التحرير إلى أن قَيَّضَ الله جيلا لا يؤمن بالهوان وهم الأعلون.
يحدث في عصورنا التسليم بالتفوق الصناعي والتكنولوجي الغربي على المسلمين، والجلد المعنوي للذات القادرة على فعل ذلك، كزمن إنزاله الاستعماري على الأمة الإسلامية بعد تقسيمها دويلات، فنادى بعض المنبهرين بمدنيته بضرورة توطين الأنفس على تقبله، ولا حول ولا قوة لطرده كإخبار القرآن {وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا}الأحزاب/13، كنداءات كثير من المستلبين اليوم بحتمية التقليد والاتباع ولا مجال لمحاولة المخالفة لأنه يؤلب علينا الغرب، وكأن الحياة المستضعفة مع غيرنا أصبحت من البروتوكولات المقتضاة.
قرأتُ كما قرأ غيري كثيرا من المقالات في الجرائد والمجلات والكتب المصرية تحاول إقناع عقول الناس على التعايش مع الاستعمار لأنه مصدر الحضارة والمدنية، بل بعض المفكرين زار مُدُنًا غربية كباريس وعاد مُخْتَلَسَ العقل منها، داعيا إلى الخروج من أحكامنا الإسلامية إلى تمردهم للوصول إلى درجاتهم.
إن الاستضعاف في موقع الاستقواء:
مُخَطِطٌ للفشل والهزيمة.
تكبيل للذهن والعقل والمبادرة والإقدام.
تفويت للنصر.
تفويت لفرصة الإقلاع الحضاري.
ملقن للضعف في زمن القوة.
يصدأ به الذهن فيذهل عن كل إقبال ويعمي بصيرته.
يفترض أن تدفع الخشية من العواقب الوهمية أوالحقيقية نحو العمل لسد فجوات تسللها لا إلى قعود تغتنمه العصبة المغتصبة.
الاستضعاف في مكامن الاستعلاء مرفوض شرعا منهي عنه ربانيا.
هذه الإعاقة جعلت البعض يعتبر التقاط صور مع نجوم عالميين في لعبة، أوفنانين، أوتلقي إهداء قميص لاعب وتوقيعه عليه، حَجَّةَ العمر، وهو يعلم أسبقيته عليه عند الله لو تمسك بإبائه الإيماني، وجعل التملق لبعض الأعراق والبيئات والفئات والجهات ارتفاقا بالنفس.
ولن يخرجنا من هذه الدوامة إلا إيمان بقداسة ما نملك، والثقة في نفوسنا بعلمها ويقينها لبناء صروح حضارية لا تعترف بالاستذلال في زمان الشموخ.
Tags:
ثقافة
