من قرأ كتاب (طبائع الاستبداد، ومصارع الاستعباد) للأديب عبدالرحمان الكواكبي، دون سبر أعماق فكره وفقرات مقاصده، سيقف عند سطحية تصوير طبيعة المستبد، وصرعاه المباشرين، لكن المتمعن، يسبر العمق الفكري، ويجد الاستبدادَ حفَّارَ صخر، وقد تُسَدُّ الحفرةُ بهجرة الرَّمل إلى غارها، فتصبح أثرا بعد عين، إن لم تزاحمه الرياح الناحتة.
فإذا سألها المارّون، الباحثون، عن مرد لحدها، حسبته تشكيلا جسديا لها، وأنساها الزَّمَنُ الفاعلُ المُنَبِشُ، لفقدها المناعة ضده، وتفريطها في المقاومة باليد أواللسان أوالقلب وذلك أضعف الإيمان.
هذا حال المتعايش مع الاستبداد، لأنه أصبح بالتقادم ضحية الاستعداد له.
وبالتوريث يتعاظم التذلل، في ركب، أوَّلُه عند التكميم، ووسطُه عند طلب السلامة، وآخرُه عند الحمد على النجاة من طيب الكلام، والنهي عن المنكر، والتجميل بالسكوت، لسبق رهبة، محاكاةً لقوله تعالى {وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا}النساء/72.
حتى تمنَّى المُكَمَّمُ كونَه في الذيل لا في الرأس، اتقاء هلع الاستبداد، ليحرز نفسه قائلا ما لي ولغيري؟ فَلِأَكُنْ معهم لأفوز بصمم الأذن، وخرس اللسان.
مُسَلِمُ أمره للمستبد، لا يهمه تموضعه، عروق دمه تضمن الحركةَ البدنية، لا توصيلَ الهواء إلى الضمير، راضيًا عن خنق القيم.
حِرفةٌ مستكينة، ورثها سندا عن أب عن جد عمن قبله إلى منتهاه.
حاله معاكسة لحكمة مؤمن آل فرعون بالكلمة الذكية، {وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ}غافر/28، أوعتبة بن ربيعة عن النبيﷺ، "فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به"، أما خبث استعداده فيملي، (إن يكُ صادقا أوكاذبا فلنا صدقه أوكذبه).
تهجسُ نفسَه خساسةُ (دَارِهِمْ ما دمت في دارهم).
يحضر المحفل، يسمع، يرى، يثني على الحق والباطل، الصواب والخطأ، الخطيب والجالس والمسير على السواء، حذف التساؤل عن كنه الحركات والكلمات.
يصفق، ثم يتوقف بأبسط إشارة، يَزْوَرُّ عن الأحرار المناقشين، كيلا تصفعه "اسكتوا".
يَطْعَمُ، يُذبل التعسفُ عينيه، ولو انتهكت أعراض، أوتفحشت ألسنٌ، أوحَمَقَ جهلٌ شرعي، أوعلمي، أوقيمي، هكذا تربت نفسه، واكتسب ميراثه.
لا يحرجه تمرير المشروعات، والقرارات، والإجراءات دون سمعه وبصره، يصمت خنوعًا، وضعضعةً للقيم، وإرضاءً للجائرين، للوضع في مبردات المُخْرَسِين.
اعتاد المحاضرات والندوات الجافة، ينهر السائل، ما لك وللمحاضر أوالخطيب؟ دعنا ننتهي، لا تضيع وقتنا.
المستعد للاستبداد:
١) يَسِمُ الأُباة بتنغيص الراحة على عميان الواقع.
٢) لا يَغْتَمُّ لطينة، وطبيعة المؤثرين، والفاعلين، والحاكمين، ذاهل عمن يحكم، بوتين، أوبريجنيف.
استعداد:
1/ يخشى المحرقة منجاةً من المَعْيَرَة.
2/ يوقع على التطبيع مع القهر المستبد، يرى كلَّ هُبُوبٍ عاصفةً يرخي لها رأس الشموخ، وكرامة الإباء.
3/ يلقي رداء الهوان على أكتافٍ ولو كانت لسادة أفاضل.
4/ يطلي السلبية على أجسام ولو كانت لعلية القوم.
5/ يحاكي ضحيتُه كذبًا وافتراءً وانتفاخا صولةَ الحكيم، ليقذف الثائر بالتهور والتآمر.
6/ يجمع أمره وشركاءه على تبرير الخذلان للطغيان.
7/ يتحسر على التخلف في نصرة الحق، بعد الدائرة للعدل على الاستبداد، {يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا}النساء/73.
8/ يلم شعث النظراء، ليصنع منهم قطيعا يسوقه الاستبداد من الذيل، ليقلده كالببغاء، ويقطف به الرؤوس اليانعة.
9/ أُشْرِبَ بشاعة الوادي الآسن للاستبداد ليصبح له موطنا ينافح عنه ضد زُلَالِ نسيم الأحرار.
10/ ألِفَ قبو القفص، يستهجن زوال الاستبداد والدعوة إلى الخروج لما يعتبره سجنا كبيرا.
11/ رسَّم لنفسه حسد الحُرّ، والجزع منه، للألفة مع حياة الرقيق في الفضاء الكبير.
ضحاياه الأسياد في بلاد الاستعباد.
Tags:
ثقافة
