كل شيء سائر في دروب التدرج الكوني، خاضع لمراحله، من الضعف إلى القوة إلى الضعف، {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ}الروم/54، والإنسان معني به، بمنحنى تصاعدي وتنازلي واهتزازي معنوي عند البعض، وللناس تنوع نفسي، إباء وهوان، استعفاف واستخدام، حرية واستعباد، وتوبة تعكس ذلك، بتجارب الحياة في الذات والغير، والاعتبار بها.
منهم متمتع بِسَعَةِ الحرية مهما دفع لها الدماء، كالمجاهدين في العالم لكسر شوكات الاستعمار، ومقاومي الظلم، مهما دفعوا المُهج، ودافعي صائل الطغيان رغم الكيد السلطاني.
ومنهم مستهوي العيش تحت سوط الاسترقاق، كما عاش أقيان فرعون قديما، يفتخرون بطغيانه على غيره، حتى قال بعضهم {لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ}الشعراء/40.، فأصبحوا ملأً مقربين، يحرصون على حياتهم تحت سطوة قدمه، يُصَوِرُون كل نزوع بالحق عن ملكه إفسادا في الأرض وفي المملكة {وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ}الأعراف/127.
زَيَّنَ الملأ وعبيدهم للفراعنة أعمالهم وتصوراتِهم، {وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي فَلَا تُبْصِرُونَ}الزخرف/51، لا أظنهم قالوا نعم، وإنما تشدقت أفواههم بلفظة {بلى}، فلم يتربع على عرش الإلهية الوهمية لولا سند ظهورهم.
لكن الأحداث التي لم نميز فيها القديم من الجديد بسبب تواصلها تكشف في صفحاتها ألوانا من تحديث الاسترقاق عبر الزمن لم يبق حكرا على فرعون طاغية مستبدا، ولا على خدمه عَسَفَةً أرقاءَ.
قد يظن الأعوان ذوو الحضوة المالية والمادية والمصلحية والنفعية والعشائرية والطائفية أنفسهم مختارين، لكنهم مُسْتَهَانُونَ، لا يرفضون للفرعون طلبا بَلْهَ أمرًا، والعكس، قد يحيل الحاكم نفسه مُكَبَّلًا لهم مقابل كرسي يملك ولا يحكم.
في الدنيا أصناف بشرية، منها:
عبيد الأبدان أحرار الأذهان، أُجْبِرُوا على القهر، يتحينون فرصة الانعتاق.
أحرار الأبدان عبيد الأذهان، يسلمونها لفكر غيرهم بغير بيع تفويض.
عبيد الأبدان والأذهان، يتعايشون مع العبودية والاستذلال.
تجدُّدُ ذهنية المماليك الفرعونية في الإنسانية استمراءٌ يعسر معه التغيير، والمُرَبي عقلَه على الذلة يحيى ويموت ذليلا، والعقول المُزَفَّتَةُ لغيرها تعيش وتموت مظلمة.
للعبيد أُنْسٌ مع الطغيان، حتى تصبح مشقة الامتثال معتادةً، لا حرج فيها، لا تقتضي التيسير، يُسَوِقُون بها لغيرهم، ومتعةً مترسبةً ترى مجرد التحفظ من الأسياد خروجا عن المألوف المريح من التدافع الحر.
يستحيل انتفاعُ الأخباب لولا بلاهة المغفلين، وجثومُ الاستعمار لولا عبيد الفكر والعقل والذهن والنفسيات والمعنويات المؤيدة له قبل عبيد القهر، واستئسادُ ملوك الطوائف لولا شعراء التملق، ووليُّ الخمر لولا {طال عمرك}، ووليُّ الفقيه لولا العاصمين، وأمراءُ السحر لولا ملأ المدرجات، والفجورُ لولا الراكضين بالرُّكب، ومستحوذو الأموال لولا مصارعي الثيران.
قدَّمَ أرقاء الشطحات الروحية ألبابهم وذممهم للاستعمار الفرنسي، فاسْتَوْعَوْا القضاء والقدر الفرنسي، وضرورة الصبر عليه وموالاته، كما يفعل دعاة الولاء للمملكات والإمارات، يَسْتَغْفِلُونَ بالثناء وأن كل شيء تمام.
كل شيء على ما يرام {زورا}، في الإدارة، والمدرسة، والثانوية، والجامعة، والمسجد، والتجمع الشعبي، والمحاضرة، وغيرها من لقاءات الأوقات، بِرُوحٍ تكسو السيد تنزيهًا، يتلكأ اللسان عن التعليق، أوالسؤال، أوالاستفسار، يَتَلَوَّى داخل فَكَّيْ الأسنان، وسجن الفؤاد، وقفص الصدر، بسبب التسليم الكامل للوهم الضيق، الرحب على منزهي سالكه، لا يَسْأَلُونَ عما يَفْعَلُ وهو يَسْأَلُ.
الإسلام حرر الرِق بالتدرج لعادة الناس عليه بمرغبات كثيرة، فمن يرغب مسخري أنفسهم في التحرر من الأوهام المجانية المعروضة في نخاسة الخرافة؟
Tags:
ثقافة
