كل شيء يتجدد في الحياة، حسنا كان أوسيئا، بالتحول من حالة إلى أخرى مُسْتَوْعَبَة، أوبتحديثه لتزويده بأسباب جديدة للاستمرار، لئلا يخرج عن الخدمة، حتى نصوص الكتاب والسنة، والقواعد المستقرأة منهما لتقوية الموقع الاستنباطي الاجتهادي، وفهمها، كله خاضع للنماء والانتعاش.
ومن الابتلاء، واختبار سلوك الخلق مع النعم، ومنها نعمة السلطة والحكم والإدارة، يجد الملاحظ لها تجديدَ استنساخ.
ظن فرعون لنفسه الإلهية المطلقة، يأمر وينهى، وما يُري غيره إلا سبيل الرشاد، زبانيته طائعة بأثمان الذمم، فاستلهم فراعنة العصر ذلك منه، ولم يَأْسَنُوا على نموذجيته لأنه أصبح مفضوحا يفتقد الجاذبية الممغنطة للعبيد.
اقتصر إعلامه على مُكَلَّفِين يَجْرُون ركضًا وراء كل مراد له، يرفعون درجة الخانعين ويضعون الأحرار من الناس، في أسواقهم وزقاقهم ومنتدياتهم، لكن الفرعونية الجديدة اتخذت لها إعلاما ساحرا يلج البيوت والنفوس جبرا عنها، وبتأثير أشد من رقيق فرعون، يرتقي به المقبول ويُستذَلُّ المرفوض.
الذهنية الفرعونية المتجددة:
يتبدل جلدها ليتزين استكبارها للمستضعفين كلما أَصَرَّتْ ضرورات مواكبة عصور المذعنين تنمية لغفلتهم ليدوم تسليمهم لها.
تزدري العقول قائلة، نحن أعلم بحالكم ونفعكم وقابلكم، تملك أحرار الأبدان، عبيد الولاء.
تتحسس من المتعلمين، فتعترض كالكنيسة نبوغَهم بين الخلق، خشية هدم محوريتِهم هَرَمَهَا.
واقعها وصاية قاهرة على ألباب لها قابلية اختيارية، مُجْهَزٍ عليها جبرا، تسجنها، تغرقها، تقتلها، تلفق لها التهم ليأفل بريقها إبعادًا لسطوتها على طغيانها.
تدرجت أعمارها في الخساسة، أدبيا، ماديا، ماليا، اقتصاديا، سياسيا، عشائريا، وطنيا، اجتماعيا.
يطغى على نفوسها رانٌ يغشى روحَها لئلا تستشعر تعرضها للخطأ البشري، رَسَّبَهُ طول زمن التربع على عروش الحكم والإمامة والإدارة والزعامة والقيادة، فتتوهم التوريث الأبوي.
تتحسس البراءةَ المبصرة، أوالمارَّة على دروبها، مختلسةَ رؤية دواليبها المظلمة، أوالناقدة، أوالناصحة، من أدنى عبارة موجهة، أومصححة، أومُذَكِرَةٍ، أومحاورة، أوسائلة، بين ثنايا، أداء، أوندوة، أودرس، أوخطبة، أومحاضرة، أوكلمة خطابية محفلية، أوبعدها.
تُحَدِبُ ظُهورَ مَواليها لتمتطيها، يمدحونها، ينفثون في روعها القصيد، لتهيل عليهم بذل الإطراءات المُسَكِنَةِ لهم، المقربة إلى بلاطها، ولو كانوا أسوأ الناس، لكن الولاء يُرَضِي عن أخس مَوْلًى.
تجلس ليتمثل لها الناس قائمين، تمد الأيدي ليلعقوها، والجباه ليقبلوها، صاغرين.
تزيد على تقليد ما فعل فرعون كما ذكر القرآن، وتبني عليه باجتهادات تجديدية لم يعلمْها قبلُ.
ورِثها قوم نبينا محمدٍ ﷺ، فتلبسوا الفرعونية القبلية والفئوية الممَثَّلَةَ في جماعة الندوة.
يُنَزِلُها طاغيتُها على الواقع الحديث بإبداع أقبح وأخبث من صاحبها الأول، لتستعلي على الإنسانية وتدوسها بأساليب شيطانية، وعلل نفسية، ما رأت عين فرعون ولا سمعت أذنه ولا فعلت جوارحه.
تحدَّث فرعونُ وأمر ونهى وكافأ وعاقب أصالة عن نفسه، لكن الفرعونية العشائرية فتصدر عن الجماعة، وتقديم قريش عروضَها المغريةَ للنبي ﷺ باسم القوم دليل واضح، حتى تجتمع كلماتهم عليه، فيخشى هالتهم، فيتفرق تدبيره بينهم، كما ظنوا تفرق دمه على القبائل.
ندم فرعون وأعلن الإسلام هَوْلًا لا قناعةً، وشهد بالذي آمنت به بنو إسرائيل فقط، لأن ترسبات الطغيان استعصت على الذوبان أمام مشهد العظمة الربانية.
أما الفرعونية المتطورة:
فترجو الموت على سرير التجبر، ولا ترعوي للآيات البينات، لِتَخُطَّ تاريخًا يخلد ذِكراها، ولو بالذم، فليس كل من ترك تاريخا يصلح للاقتداء والاحتذاء، أوللذكر الطيب.
أويَجْذِمُها الهزال، فيرميها في القمامات السياسية والاجتماعية، فتَكِيدَ بالاعتراف للعارفين، وبحبكِ قصص البطولات للجاهلين، لتزور الماضي السيء، وتمرر الوهم بالمذكرات، وتضع نفسها في صفوف الأخيار بين عيون مُتَعَمِدِي التغافل، لتفتري لهم الكذب وهم واعون.
انتهت الفرعونية قديمة، وستنتهي جديدة، ليتجدد اعتبار المتعظين.
Tags:
ثقافة
