لقد هبتك لما رأيتك

استراح أبرهة الحبشي في وادي مُحَسِّر بين عرفة ومزدلفة، واستولى على إبل عبدالمطلب بن هاشم، فجاءه مُهَابا في حُلَّة، نزل من أريكته وأجلسه بجانبه، سأله، قال: جئت أطلب إبلي، ردَّ عليه: (لقد هبتك لما رأيتك، وازدريتك لما كلمتني، جئت أهدم كعبتكم، وجئتني تطلب الإبل؟)، لكن كبير قريش صحح النَّظرةَ: (أنا رب الإبل، وللبيت رب يحميه)، فَرَدَّهَا إليه، وعادت الهيبة من جديد، وقرعت كلمةُ زعيم قريش سمعَه بلا احتمال تأويل.
بقيت العبارة (لقد هبتك لما رأيتك، وازدريتك لما كلمتني) دليلا:
على وزن العباد وقيمهم ومواقفهم.
وعلى ضرورة التوافق الذاتي، من الهندام إلى القول والعمل والفكر والرأي والانتماء ومنهج الحياة.
وعلى أن أحكام الناس لها اعتبار اجتماعي أقرَّه الشرع بعد وروده، لأنَّ شريفًا مثل عبدالمطلب لابد أن يحفظ مكانه بين قومه، والعرب هم أهل صيانة الأعراض من سوء الطوايا، ولو لم تقع فيما قيل عنها.
كانت كلمة (ماذا تقول عنا العرب) تمنع كلَّ سلوك سيء جالب للقذف والتهوين والتعيير، حتى دفنوا بناتهم ظلما، حتى يبيت أحدهم مطويَّ الأحشاء من الكرم.
وعلى معرفتهم أصولَ الزيارة والضيافة التي تسبغُ على الفرد الشموخَ المناسبَ للحقيقة الإنسانية.
وعلى تعامل الطغاة والظلمة آنئذٍ مع أسسِ العلاقات ومروناتها، وعرفانهم لنفاسة الناس، رغم ارتكابهم جرائم تنبذها القيم.
وعلى تأجيل القطع بسريرة المُشاهَدِ على تباهٍ وتعاظم، أوعلى اهتراءٍ، إلى القول أوالعمل، لأنه مخبوء تحت لسانه وعمله.
تطابقَ لأبرهةَ مظهرُ ومخبرُ عبدالمطلب، فلم تَزِغْ هيبته، ولم يَقْدُمْ نفاقا لإنجاد الكعبة ظاهرا، وطلب الإبل باطنا، وما كان للعرب تلك الكبوات المنهوية.
لما كان خادم الحبشة على دراية بهذه القاعدة البشرية، وأيقنها في زعيم قريش، وتبين له انسجامه النفسي والعقدي، أجَلَّهُ ثانيةً بكلمة نَصَعَتْ تناغم المبادئ والقيم مع السلوك وأعطاه الإبل، دون انسحابه من هدم الكعبة.
عبدالمطلب لم يوهم نفسه إنجاء الكعبة وهو عاجز عن مقارعة قوة سلاح الغزو، فَبَهَرَ صاحبَ الفيل بِصِدْقِهِ، لأن الواعد بلا تجهيز كاذب ولو صدق.
هذا ما فهمه القائد الحبشي بعد السماع، واسترجعه عبدالمطلب بالبديهة السريعة.
انتفخ النمرود على الخليل إبراهيم عليه السلام، فلم يَحْمِ كبرياءه بإعجاز يوافقه، {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ}البقرة/258.
وتخايل فرعون ربوبية الكون فأخزته غرقة بحرية.
ليس كمن يدك الأرض بقدميه يبتغي عنان السماء كقوم عادٍ، فتقتلع شموخَه عقابًا ريحُ طيشٍ صرصرٍ عابرةٍ عاتيةٍ.
وكمن يتزيَّى بما ليس فيه، يفوح منه خيلاء خاوٍ يحكي صولة الأفاضل، فإذا فُحِصَ ازدُرِيَ تَلَبُّسُهُ وترك لهامش الحياة.
أوكقائد حزب يَتَكَلَّفُ الذود عن الحرية، ويُزْدَرَى إذا نَبَا عن استبداد داخل سراديب التسيير، ولو سمع (اتق الله) أخذته العزة بالإثم.
أومهاب ببذلة إذا جلس اختفت أناقته وفضحَ سادةُ العلم جهلَه، أوُيُقمعُ إن تمثَّلَ للعرض، إذا اسْتُنْجِدَ به لِمَا يُرَى تلوَّى واحتجب كالظلمة يحرقها نور الشمس.
أوكذئب يتلبس صوف الضأن، يفضحه عواؤه بين ثغاءات النعجات البريئة.
يُجَلُّ أحدهم بجريدة يتسَمَّتُ قراءتها، ويُستصغرُ وهو يُلوي عنقها ويمحو حبرها، أويسأل عن محتواها.
من نعم الله الكونية إعراض ذوي الحنكة عن السفلة، ومجانبة الافتتان، وترك الحقير لمتقلبات الزمان.
قَهْرُنَا التفاخرَ والزينة، وتخالفَ الوَهْمِ للحقيقةِ مَجلبةُ سترِ الله، فلو فاح ما يخفي الله عن الناس، ما لقي أحدٌ أوجمعٌ غيرَه من صديده، وما هاب أحدٌ أحدًا.
البصر حديدٌ عند الموت فقط، لذلك تبهره متجليات الهيلمان، ويستخف باديات الهوان.
الهيبة المغشوشة ضرر على الأمة، وزبد يذهب جفاءً.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم