تلهفي إلى البيت العتيق

لا يدري المتلهف للبيت الحرام، أيعلق بالشوق، أم ينتظر اصطفاء الله يناديه، أيستعجل إرادة المناسك، ويُبتَلَى للشكر والجحد، أيتصبر إلى أَزَفِ الأذان به، ليفرح بالاجتباء الرباني؟
تلهفي على البيت المقدس!!! أَسْمَعَنَا زمنُ الراديو موجاتٍ صوتيةً عن المناسك، والآن برؤية المباشر تتسَعَّر حُمَّى الحنين، يُتَابِعُ لنا غدوات وروحات المتمتعين والمفردين والقارنين بين كداء والمسفلة والصحن، في كل شبر شَرَّفَتْهُ وطأة الحبيب ﷺ، عبادٌ هَوَوْا إلى البيت الحرام، صَدَقُوا الله فبوَّأهم تصديقه، سارت المراكب بهم، احتواهم تضرُّع إبراهيم الخليل عليه السلام (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) إبراهيم/37، أبصارهم تلقاء البيت، بصائرنا تلقاء المُنَى، قلوبنا لدى الحناجر، نظن بالله اليقينا.
تلهفي على شمول دعوتِه ربَّه لنا!!! المُبَاهَى بهم يصولون أزقة مكة متهيئين يوم التروية، قلوب تخفق بالدعاء ليمدد الآجال إلى المرور على منى في الطريق إلى مشعر عرفة المقدس، فإذا أجاب الله، عَظُمَ في الأفئدة المشهد، عكس شعور زيارات العمرة أومشاهدات التلفاز، بطحاء عرفة، جبل الرحمة، سفحُ المصطفى ﷺ.
تلهفي على "الحج عرفة"1!!! على محشر العالمين، الهيأة دنياوية بشرية، والموقف قيامة، شطرَ يوم سريع، حَجٌّ يُعرف شعاره في اليوم الأبيض بالمكان الأغرّ.
تلهفي على السائلين!!! مكانَ وزمانَ الخشوع والتضرع والاستغفار، تُرَاهُم يرجون الله لنا لنصل الأعوام بعدهم أم ينسيهم الموقف، والعبرات، وتَصَعُّدَاتُ الأرواح، وبهجاتُ الطيران بأجنحة السعادة، لنزول ربها يطرب على ملائكته بهم؟
تلهفي على يوم الإحرام الأعظم!!! يحضن النفس والروح ورطب اللسان بالذكر والابتهال، عكس انشغالنا بالتحضير المادي وقليل من المعنوي ليوم العيد.
تلهفي على يومِ سَكْبِ دموع الجموع!!! تُحَدِقُ الأفق الأبيض، وقد أقبل قَضُّهُمْ وقَضِيضُهُمْ، لا يُرَى من الأديم شيء، لاستيعاب الموج الأبيض المدَى، يقوى الإيمان ويعظم، تُبْرَمُ العهود مع الله، الأجساد في الغبراء، وأوردة القلوب في الفضاء، بل في الجنة، السرور بالرحمة في عنان البيت المعمور، والسقف المرفوع، الأعين عن السماوات السبع عاجزة، وفُطْنُ الأرواح إليها ناظرة، والوجوه العالقة بالله ناضرة.
تلهفي على الزُّمَر المفيضة إلى مزدلفة!!!، المنحدرة الشاكرة المخبتة،، كالكوثر الهادر إلى أنهار الفردوس،، جَهَّزَ المشعرُ الحرامُ لها احتفاءً، ليستوعبها فيجود عليها بالضيافة الكريمة، ليبسط لها نُوَيْمَةً هادئة، ويُعِدُّ لها حَصَى التكبير، لعلها تُوَرثه بركات الخشوع والرجاء، حين يُشَيِعُهَا إلى الجمرات الإبراهيمية.
آهٍ،، على تلهفي يوم الحج الأكبر!!!، سلَّانا عنه إهراق الدماء الحمراء لله، بمسك النسك، والثواب منه، نذبح ونأكل ونتصدق، ونكبر ونعظم الشعيرة {ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} الحج/32، لون الهدي أحمر، والسبيل سيل إلى نهر الكوثر، ضيوف الرحمان يهدون، يفدون، يرجمون، يكبرون، يهللون، أَتُرَانَا تَفِيضُ قلوبنا مثلهم يوم نحرنا؟ أنضحي بنبرات العيد، وحشرجات الحج؟
آهٍ،،، على تلهفي أيام التشريق!!! الرمي يعقبه التكبير، والانشراح يقتفي الانسياب، يَجِلُّ لها الثواب جلالة البقعة المقدسة بأضعاف الحسنة المُعَشَّرَةِ عندنا.
آهٍ،،، تلهفي على مغتبطين، متعجلين ومتأخرين من المناسك منبسطين،، بتناثر الآثام منتشين،، تجددت ولادتهم للحياة، مهجاتٍ بيضاءَ، أترانا نُنْتَقَى آجلا؟؟؟
آهٍ،،، تلهفي على مُوَدِعِين،، تنهال دموعهم من عجلة الأيام،، وانقضاء النَّهَم،، مُفَرَّعِين على الأمصار،، قاضين تفث الذنوب،، مغتسلين من الخطايا،، فمُعَطِرٌ قبرَه سريعا،، فمنتظر،، أُتُرَانَا نُشَيَّعُ مثلهم؟؟؟ بعد إكرامنا لنقضي تفثنا، ونوفي نذورنا، ونَطَّوَّفَ بالبيت العتيق؟؟؟
أسايْ على ذنوب صَدَّتنا، أم أُجِلْنَا إلى خَرَفِ عقولنا، ونخر عظامنا، وتفتيت لحمنا، وهزال أبداننا، فنُشْغَلُ بالأوجاع عن لَذَّةِ مناسكنا، أم قضت أقدار حكمة الله لنا، أم علينا؟؟؟
آهٍ،،،،، تَعِبَ اشْرِئْبَابُ أعناقنا، وكَلَّ رفعُ أيدينا، لكنَّا لا نَمَلُّ رجاء ربنا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1/ رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، عن عبدالرحمن بن يعمر الديلي.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم