تلوك ألسنة كثيرة عبارتيْ، (كل الطرق تؤدي إلى روما)، (مصر أم الدنيا)، لكن الزائر لمكة بحرمها، ومسجدها الحرام، وبيتها العتيق، بوعيٍ، يكتشف أن كل الطرق تؤدي إلى مكة لا إلى روما، لاعتبارات منها:
1/ كل الناس تهوي إليها وقد سبقنا سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام بدعوته المجابة (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ)إبراهيم/37، طائرات العالم كله تحط في مطار جدة الدولي تباعا كالعصافير، للتنقل إلى المدينة المنورة، أومكة المكرمة.
2/ لأنها تتوسط جغرافية العالم.
3/ الكعبة مجلبة للطائفين والعاكفين والناسكين والقائمين والركع السجود حجًّا وعمرةً.
4/ يستشعر المراقب عموم انتماء الكل لمكة دون تخصيصها بالعرب.
هي أم الدنيا لا مصر، لأنها ملتقى شعوب الدنيا، فلا يُعلمُ مكانٌ تلتقي فيه كل الجنسيات غيرها.
رمز عالمية الإسلام، محور الإشعاع الروحي العالمي، رغم دروبها الوعرة وجبالها وربواتها وحرارتها.
الحشود تصب كالسيل الهادر داخل صحن الكعبة، لتضيف استدلالا جديدا مُصَدقًا للنصوص على عالمية الإسلام، تشبهه بالقلب الواسع، اللامع نوره، المستوعب جميع الخلائق.
لا يوجد اكتظاظ على الفاتيكان، أوحائط المبكى، أومعابد الفرس، والصين، والهند، وغيرها، كالذي حول المدينتين المحرمتين، بل لا يُرَى في غيرهما إلا شراذم لا يَصْدُقُ على تعدادها مفهوم التزاحم.
فيهما تذوب الشروخ العرقية والجنسياتية، فيشعر الزائر حقا بأن الشعوب في وادي الأخوة والتلاحم الإيماني، والحكام في وادي النزاع الديبلوماسي.
لا يجد هذه المعاني من أمَّهما لمجرد التعبد الشعائري كما يريد الغرب تحديده لنا، متنقلا بين الفندق والمسجد في أحسن الأحوال.
إنما يتذوقها مبصر بصير على العنصر البشري المتزاحم على الحرمين، والبيت العتيق.
سألت جزائريا مقيما بجدة، فقال: هذه كذلك بلادي.
أَفَدْتُ من كتاب رحلة ابن بطوطة لأروي عن زيارة 1445هـ/2023م.
خرجت عن المألوف، لم أتقوقع على رفقة السفر، تفتحتُ على أبناء ديني الآخرين.
حرصتُ بينهما في الأيام القليلة الخالية على استهداف أمرين:
1/ الجانب الروحي الإيماني، بالحرص على الصلوات في المسجدين، والزحام على المبنى النبوي القديم المجاور للروضة الشريفة، وعلى صحن الكعبة.
2/ الجانب الإنساني التعارفي، بلقاء جنسيات كثيرة، واستشعار الأخوة الإيمانية، وتجاهل الفوارق المختلفة، لأسأل كلَّ من ألقاه في صحن الكعبة، أوأثناء الطواف، أوفي باحات الحرمين، أوفي الفنادق، أوفي المصاعد، عن بلده، وأحوالها، أحلتُ نفسي شخصا عالميا.
مَنَّ الله عليَّ بالجلوس مع إخوان البلدان الأخرى، نتبادل الحديث حول أوضاعنا، وقضيتنا المركزية، وتلاحمنا، وتهوين الحدود بيننا.
التقيت السعوديين، وتحدثنا حول تسوية جبل أبي قبيس، وفهم لغات الأعاجم لتسريع الأعمال، وأفضلية توسيع المطاف أرضيا، عوض الطوابق الحالية، لمنح المتمتعين دخول صحن الكعبة، فوجدت موافقة مصحوبة بحيرة.
تحققت أمنيتي بلقاء كردي عراقي بلباسه التقليدي وتشرفت بالتقاط صورة تذكارية معه.
كانت لي جلسات ممتعة مع الليبيين، والتونسيين، والمصريين، والباكستانيين، والصوماليين، والعراقيين وتحدثنا عن الفرق بين عراق صدام، وعراق الشيعة.
تذكرتُ مقالة تلقيناها عن معلمينا وأساتذتنا عن حكمة الحج، تصفه بالمؤتمر العالمي.
مكة هي أم الدنيا وليست مصر، المتجول في شوارعها، وفنادقها، ومطاعمها، وساحاتها، يجد كل الدنيا، أكلاتٍ، لباسًا، عاداتٍ، تقاليدَ، أدواتٍ، ما لا يجتمع في غيرها، مما ليس ملتقى الجميع مثل مكة والمدينة.
كان لي متقلب حسن تلك المرة عكس الزيارتين السابقتين، ولعله من منافع التدرج العمري الذي يمنح زيادة استيعابٍ حديثٍ.
أسمع دموع فؤادي تتقاطر داخله تهفو نحو الجموع المتوجهة يوم التروية إلى منى استعدادا للقاء العالمي الإسلامي بعرفة، لترفع الأكف دفعة واحدة مسرورة من رحمة الله على إحضارها في المشاعر المقدسة، اصطفاها ربها ليباهي بها ملائكته.
Tags:
إسلاميات
.jpg)