منافع ذكر مقدار المهر

الزواج شعيرة يجب تعظيمها، {ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى الله}الحج/32، فارق بين الحلال والحرام، فوجب كشف كل متعلقات عقده، عكسًا للحرام الذي يختفي فيه كل شيء، خشية العار.
ومنها المهر، الذي شاع في عصرنا إخفاؤه عن الشهود في مجلس التعاقد أوما نسميه {الفاتحة}.
في كل المجالس يشار إلى ركنيته، لكنه يُتَنَاوَلُ شرطًا غيرَ مؤثر في صحة العقد، استدلالا بمفهوم قوله تعالى {لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً}البقرة/236، كما جاء في المغني لابن قدامة (7/182)، فقد اعتبره الله تعالى نكاحا رغم كتمان الصداق، ثم يلغون مفهومهم بإبطال زواج بدونه، ويفتون بمهر المثل إذا تم الدخول، أوبالطلاق قبله أوبعده إن بقي دَيْنًا، ويسمونه نكاح التفويض، لكن أغلب مقادير مهور النبي ﷺ وأصحابه معلومة.
الكثيرون يذكرون بركنية المهر، بعض من حضرتهم حث على تسليمه قبل العقد، لكنه يتصرف بالشرطية، لذلك انتشرت بدعة (بمهر متفق عليه بينهما)، كأني بسلوكهم أحالوا إباحة ستره واجبًا عرفيًّا.
والجمع بين مفهوم النص، وعمل النبي ﷺ وصحبه، وقول الجمهور باستحباب ذكره، والنظر الحصيف في المقاصد الشرعية والمحاذير الواقعية، كضابط الفتوى، وموجهها، يرجح ضرورة ذكره على إخفائه، لما يأتي من منافعه:
1/ المساواة بين جميع الأركان سماعا وشهادة وتحملا وأداء.
2/ تجنب التحايل على الشهود حين إسماعهم جميع الأركان إلا المهر، فلا معنى لدعوتهم إلى المجلس لِيُجَهَّلُوا بعضها.
3/ تجنب النزاعات، فقد حدث طلاق قبل الدخول، وتنازعوا في نصف المهر بسبب عدم ذكره.
4/ تيسير الرجوع إلى الشهود حال فسخ العقد أوالطلاق قبل الدخول.
5/ اتقاء شبهة الشغار، خاصة إذا جهله وسيط العقد.
6/ معرفة مهر المثل، في حالاته الشرعية، فلا نستطيع معرفة مثيلات المرأة من أخواتها لأبيها وأمها أولأبيها وعماتها وبنات أعمامها في بلدها وعصرها، على مالها وجمالها وسنها وعقلها ودينها، كما جاء في قول ابن مسعود رضي الله عنه، وبدائع الصنائع.
7/ حل عقدة الحرج بحضرة الشهود، فتتحول معرفته من تطلع إلى منهج شرعي.
8/ المساهمة في تيسيره إذا وقع الحرج بسبب ارتفاعه.
9/ الاعتزاز بإكرام الخاطب مخطوبته إن كان مرتفعا.
10/ قياسه على ذكر اسم المرأة بحضرة الجمع الشاهد، إذ المعروف اجتماعيا تحرج الناس من ذكر نسائهم في مجامع الرجال، فلا يستساغ ذكرها في المجلس، برضى العاقديْن، وإمكان تصور الدخول مخيالا، دون المهر وهو أهون.
إن كانت أولوية الإخفاء فهي على اسمي محل العقد، واستبدالهما بالصفة، (موكلي، موكلتي)، وليس المهر.
11/ تجنب التعالي على النبي ﷺ وأصحابه والتورع عن تخطئتهم ومخالفتهم، وقد ذكرت مهور زيجاتهم.
12/ استكمال عبارات صيغة العقد، وما الصيغة إلا تحصيل تجميعي لكل الأركان ومنها قيمة المهر قدرا وصفة وأجلا.
13/ عدم استغفال الوسيط في إبرام العقد، فقد علمتُ أنّ وسطاء كثيرين يجهلون مقدار المهر ليُرْجع إليهم عند التنازع، وسمعتُ من أحدهم قوله للطرفين، (طبعا أنتم متفقون عليه، أم لا؟)، لِيُجَابَ بنعم، دون أن يكلف نفسه التكفل بمعرفته.
الفقه حسن تنزيل المسائل على الواقع، بنظرة تقديرية دقيقة، تضبطه مقاصد شرعية وحياتية حادَّة البصيرة، عدم اعتبارها أثناء الإسقاط، يمنع توجيهه نحو الصواب المستقيم، وحسم المفاسد الكثيرة، التي يمكن فهمها بقلب المنافع المذكورة، لئلا تفوت عصمة الزواج المبني على ما سلف.
والحالات الظنية تمنح الاجتهاد تحديثا في الفهم والاستنباط والقياس، والظروف والعصور، والجد والهزل.
هذه نظرتي الفقهية الأفقية الآفاقية المقاصدية المحسوبة بدقة في تقديري المتواضع.
وقد بدأت بنفسي حين ذكرت مهور أولادي أمام الحاضرين أيام عقودهم.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم