المعتاد من المشهور عبارة "المنفى الاختياري"، وهو المُقام الذي يختاره المهاجر، أوالمُقاطع لبلاده أوعشيرته، لظلم، أواختلاف أوأسباب أخرى.
أما العاقل فيقبل هدية الله بالإذعان لما يُسَيِرُه ربه، ويمحص ما يُخَيِرُه، {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ}42/الأنفال، فيُكَافَأ على اختياره الحسن، أويعاقب على اختياره السيء.
أما المنفى المعنوي أوالفكري الاختياري فهو وصاية طوعية تعيق التفكير، تعجل الرضى، قبل الإلزام، صيانة للسلامة من العواقب المتهاجسة بأوهام متعاقبة.
الوصاية الاختيارية تصدر من العامي، والمثقف في غير تخصصه، والمستلب المنبهر، والمنهزم بعد المعارك الفكرية والحربية.
فهي:
1/ تقع على من حشر نفسه تحتها طوعا.
2/ هي نفى اختياري للعقل.
3/ وإعاقة عقلية ذهنية، وتسليط للأفكار على النفس دون نقاش.
4/ وتسليم للمذهب الفلسفي أوالفقهي أوالعلمي باستعداد استبدادي مسبق لسلامة مختار الوصاية.
5/ وعصمته من إخراس اللسان، وتكسير القلم، ورهن المصير.
6/ وهروب من البحث يتلبس بجلد التنزه عن التطاول.
7/ وإعاقة للبحوث، وحرية القناعات.
8/ وداء خطير مرافق يورث المضادة لكل مخالف ولو أصاب، للتصديق على تهوين نفسه لوصايات اختيارية على عقله وتفكيره.
9/ وارتهان العقل لمحيط اعتيادي، سُلم له قياد الناس دون تفتيش نفعه من ضرره.
10/ وإذعان تذللي لآخر مخلوق مثله.
الوصاية الإجبارية تختطف العقل، والاختيارية تضعه بين أنياب مفترسي الألباب.
لكن الإسلام دين لا يَتَوَصَّى على العبد، ليقنعه فيؤمن فيكافأ، أوعكس ذلك ليتركه ومصيره للقيامة يوم يرى ما وعد الله حقا.
يرغب في تعجيل الإيمان بقناعة عقلية بلا وصاية عاجلة، اتقاء الإبهات بها في الآجلة.
إنها حال:
1/ المتعامل مع الأحداث الفردية والأسرية والاجتماعية والسياسية والرياضية والثقافية، داخل قوالب دينية أووطنية أودولية بلا تقليب النظر والفهم والوسائل والأساليب والتاريخ والحاضر واستنباط المنافع الفكرية الشاحنة للعقل، قريبا من إملاءات الآخرين، وتصريف نفاياتها المتعفنة، لتمكين التبعية للوصاية الاختيارية عليه، في مستنقع تدافع القمامات الذهنية، وخضوع الفضلات المهيمن عليها.
2/ الواقع في مضمون قوله تعالى {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ...}36/الإسراء، يقفو متبوعه، لا يدري كيف وأين يسير به، فإذا تجنب حفرة، وقع هو فيها، لعماه عنها خلفه.
3/ المُهْذَى عليه بالموضوعات، والحكايات الشعبية المزمارية والافتراءات الطقوسية، ليردد {اللهمَّا صلّييييي علىىىىى محمَّاااااااد وآلييييييي محمَّاااااااد}.
4/ المُتَقَيَّأ عليه بالتدليس والتلبيس ليردد بعقل ميت {وااااخّا سيديييي}.
5/ المُنَصِبِ على نفسه وصاية النصرانية والطرقية للدعاء مكانه لاعتقاده بسماع الله ورؤيته صاحب الطقوس فقط.
6/ إناء ملئ ولم يمتلئ بقذارة سائلة أوصلبة، تَغَذَّاهَا ولم يُغَذَّهَا، فهو ينضح بها، تسوقه إلى القمامة مكانِها الطبيعي، يعسر تعميره بنقاوة لأنه سيستغربها ويَمُجُّهًا.
7/ الموصى عليه المروج للسفاهة العقلية المحجور عليها، يعسر إقناعه لارتياحه بالتفويض الأدبي الراضي به.
8/ من لا يقرأ الأحداث بمنطقه كمسلم مؤمن بالله أولا، ثم كعاقل يفرق بين الحق والباطل، والمعروف والمنكر، ولا من موقع السيادة والاستقلال والعقل ملتزما بالشرع.
لا يتقبل إرشاده إلى التحليل والنظر والتقليب والاستدلال لقداسة التوكيل المقبول منه.
ميدانه الطبيعي ساحات الاستذلال وليس الإذلال، ترفع فيها رايات الاستغفال، يُسَرُّ بكل ترويج لدينه، أومذهبه الفكري، أوالفلسفي، أوالفقهي، ولو إشعارا كما يُشَعَّرُ الجمل للهدي.
مثله يهيئون أنفسهم قطعانَ الاستبداد والقهر والطغيان، إن ساروا رضي، وإن أمهلهم العَيُّ سامتهم جلدات سوط بغيه، وقدامهم حاديه كالشيطان يزين لهم الغَيَّ، لينحرفوا عن الرشد.
أرى علاجها بدروس الآجل، الفاضحة سوء العاجل، وقديما قال عثمان رضي الله عنه {إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن}، فإما أن يكون السلطان برهانا، أونقتبس القول {إن الله يزع بالزمان ما لا يزع بالعنوان}.
Tags:
فكر
