الهيمنة الغربية واستقلالنا الذاتي

للغرب نظرات تاريخية وعقدية واجتماعية لطبيعة الإسلام والمسلمين، ويَتَفَلَّتُ من الضوابط العقدية الروحية والتشريعية رغم صراماته القانونية، ببرامجه الميدانية، فَنَقَلَ التنظير والتقعيد، إلى السيطرة على ماديات الحياة، ومصادرها الطبيعية الثرواتية، يُرَاقِبُ مسارات مجالاتهم، لإبقائهم تحت الحدود المرسومة لهم، بما يحرمهم الاستقواء بالحريات المختلفة، وبما يشعر المهتم بالشأن الإسلامي، والمكترث بمستقبله، أنهم بعد تحرير الأوطان، وأثمانه الباهضة، يحظون باستقلال ذاتي عالمي.
أسوقه إلى كل المسلمين، للتَّعَرُّف المُفَكِرِ المُتدبر، على طبيعة الراهن، والضرورات المستقبلية للتحرر التام، وعدم القفز عليها بشؤون فردية أوسياسية أوسلطوية عن المسؤولية أمام الله والشعوب والتاريخ، عن مصير بلدان تقبع تحت التحكم الغربي، بتسيير ذاتي.
الاستقلال الذاتي التقليدي يؤخذ بتمرد طوائف أوأقليات على الوطن الأم تمهيدا للانفصال عاجلًا أوآجلًا، فالمتمرد يستقوي بنضاله أوغيره، ولا تحتوي السلطة الأوضاع، وأمارته تفلت المُسَيِرِ الذاتي من رقابات كثيرة.
أما استقلالنا الذاتي فالتفاف على التحرير، تتمتع فيه أوطاننا بالمناصب الحكومية كاملة، لكن عوامل نهضتها وانعتاقها مكبلة.
استقلال ذاتي:
1/ بسرطنة غربية للغذاء، وتعفين نوعيات الدواء، وتشفير السلاح بأسرار، فلا تقلع طائرة حربية، ولا دفاعات جوية، دون فك التشفير، خطوط الأنترنت مسربة من وراء البحار، تُوعَزُ برقابة على البيانات، وتقييد حرية الاستعمال، وتقليص حجم النوعيات المنشورة المرضي عنها، عندما يتجاوز المُتَصَفِّحُ الحدود المرسومة يُنْذَر بمخالفة معاييرهم، وانتهاك بنودهم، ومقاييسهم، وإذا تمادى حُذِفَ حسابه، أوموقعه الإلكتروني الشخصي أوالاعتباري، بإهانة مفاجئة، لتخزن بياناته وآراؤه في أرصدتهم الإلكترونية.
2/ يُفَجِّرُ به الغرب نزاعاتنا البينية، ليفككها ببعثاته، باعتبارها وزارات خارجيتنا، لابتزاز أموال، ومشاريع، وتقييد قرارات، وجثوم كتائب عسكرية لتحديث الاستعمار، بدعوى حفظ السلام.
ضاع زمن رد معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه على هرقل الروم، الذي كتب متدخلا في شؤون المسلمين يعرض المساعدة ضد علي بن أبي طالب رضي الله عنه: {علمنا بما وقع بينكم وبين على بن أبي طالب، وإنّا لنرى أنكم أحق منه بالخلافة، فلو أمرتني أرسلت إليك جيشاً يأتون إليك برأس علي}، فكان رد معاوية: {أخان وتشاجرا فما بالك تدخل فيما بينهما، إن لم تخرس أرسلت إليك بجيش أوله عندك وآخره عندي يأتونني برأسك أُقدِّمه لعلي.}، البداية والنهاية لابن كثير.
بعثات غربية لبلاد المسلمين يهيمن عليها البطش الأمريكي، والدهاء الروسي، تهمش الشخصيات الإسلامية، إلا بالولاء، كالوساطات بين الاحتلال والفلسطينيين، تُحَرِّفُ الردود الحمساوية على المحتل، ورسائلها، تتدخل باقتراحات ظاهرها التنسيق، وباطنها تسطير الحلول المنقذة للعدو، وآخرها الإشراف الأمريكاني المهيمن على إمضاءات الاتفاق، ومن يزغ منا عن أمرهم يسلطون عليه قرارات مجلسهم الاستعماري.
3/ يبرر التدخلات السافرة في برامج تعليم أجيال المسلمين، تعبيرا عن انتقاص أهليتنا في برمجة عوامل نهضتنا، خشية تصميم قيم تمنح المسلمين حرية الإدارة الفكرية والمعرفية والعلمية.
4/ يُصِرُّ فيه الاستعمار على حذف كل متعلقات الشحن المعنوي، العقدي، التاريخي، لحماية البيضة ضد المراقبات الغربية لبلداننا.
5/ يُجَمِّلُ مقترحاتهم للتغرير بها، وتسفيه أعمالنا الذاتية للتنفير منها، واعتبارها من داعمات العنف الفكري والمعنوي واللفظي ثم المادي، وتغليف كل ذلك بالمساعدات الحضارية المدنية.
6/ يُهَيْمَنُ فيه بنعومة تترك الواجهة للشعوب، وتمسك بخيوط الحياة الأساسية.
7/ يسري في دهاليز مناطق، ويُحَاكُ في بلاد الخليج بعلن غير خجول.
8/ تُضَخُّ فيه تبعية الأساسيات، وتُمنح الحرية الحقيقية في السفاهات، للإيهام بالبطولات.
مشهد يعكس جذورًا استعمارية عميقة، يَعْسُرُ اقتلاعها إلا بتدرج مفعم بالإرادات المخلصة.
الإفلات من الوصايات الأجنبية إلى القرار السيادي، والندية الأممية، ضد الهيمنة الغربية، يكون بالتفكير الذكي المبرمج، للاكتفاء الحضاري تعليمًا وعملًا واقتصادًا.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم