طوفان الأقصى وحضارة الأنفاق

كل الأحداث تستنفر محيطها، للرواية عنها، كاهتزازات الأرض، تتوسع آثارها إلى دوائر بمسافات قطرية متساوية، أوالحركة الجيبية برمية الحجر في بِركة.
أوضاع العالم، ومنها غزة بالخصوص استنفرت الإنسان والحيوان والجماد من أشجار الزيتون إلى الأنفاق التي آوت ذخيرة الأمة، شبابا وسلاحا، فدونت مذكراتِها الآنية لا البعدية، لتقول من دخلني كان آمنا، إلا العدو فتلاحقه أشباح الهلع والفزع.
تحيةً لشموخ أبطال شجعان معتكفين داخل أنفاق، في عمق الأديم، لا هواء ولا نسيم للاستنشاق، عجزت الإعلاميات عن حكاية انحناءات الظهور المانعة لانتصابات القامات، ومبذولات صيانة الإباء، والجلسات القرآنية، لتسبح جدرانها بترتيله، والحلقات الذاكرة المستقوية على الاعتلاج مع الضوء الخارجي، لملاحقة الدبابة.
تقول الأنفاق المباركة:
نحن نحاكي المساجدَ الجامعة، نحمي الأسرى درءً لذريعة العدو إلى التفريط في أسرانا، والتنكيل بهم.
نُعَقِمُ اللقيمات الجماعية المباركة.
نغطي اللقاء التخطيطي للعمليات المتتالية بلا كلل، ولا التماس للخروج كالتماس المحبوس.
حَبَسَ داخلَنَا الأبطالُ أنفسَهم في سبيل الله، كالأوقاف العامة لله طوعا لا كرها.
يُسْمَعُ فينا دَوِيُّ النحل بتلاوة القرآن كما أراده صلاح الدين رحمه الله في كل خيمة جهادية.
نحرس التركيز على العمليات لا على السياسة والمفاوضات.
نحتوي التكفل بكل ما هو عسكري، وأوكلنا السياسة لأهلها.
نحن المأوى، والمطعم، والورشة، والمشفى، وقاعة الدرس، وصندوق الأسرار، ومستودعات السيارات، ومنطلق الرصاصات والصواريخ.
سأل فيح الصيف، وزمهرير الشتاء، وانصباب الأمطار، عن نوع الإقامة داخلنا، فأجبنا باستواء طبيعتنا كلَّ وقت، لا شمس تشرق، ولا قمر يبزغ، ولا غيث ينزل، لا نور ولا ظلام، إلا فوانيس باهتة، أوالأنوار الربانية الواقية، لا همسات خارجية، ولا صوت يصعد إلى سطوحنا، لا نجاة من الفيضان إن تسلل المطر إلينا، لا خروج إلا بإذن مُطَاعٍ طوعا.
تنبت فينا زهرات الأمل في الله وفي النصر، يُعَطِرُ عبقُها يدًا متوشمة بفلسطين.
ممراتنا تتعبأ عرقًا يحكي حيرات الشباب على الغزيين، أهاليهم، أشقائهم، أولادهم، والديهم، أحبابهم، كل شيء مجهول، إلا نزر يحكيه العائد بحزن من معركة على فقد الشهادة فيها.
نستوعب ضيق الحاضر وآلام المجهول.
نستضيف دعوة الأسرى إلى الإسلام، لتُحْفَظَ حرية من أبى، فيرى الأخلاق، ويسمع كلام الله ويبلغ مأمنه، (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ)التوبة/06، فتقام الحجة لحولها.
نخفف الشوق إلى ذوي القربى في قلوب الأبطال داخلنا بصبر ينزل السكينة الربانية عليهم (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ ۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا)الفتح/04.
يمنع تراصُّ الشباب انهيار التربة على فوهاتنا، لتسكن الأرواح، وترتقي إلى الفردوس الأعلى بالشهادة رفقة النبيين والصديقين والصالحين.
تُقِلُّ أحشاؤنا أقمار الطوفان إلى جنة الخلد بالشهادة.
نَصُمُّ فزع الطائرات والدبابات والقنابل، لتستقبلَ الروح يومًا جديدًا يتقاسم سطح الأرض معنا الأبناء البررة، لتفيد من بذر خلواتنا الروحية شحنًا للبطاريات الإيمانيات المزروعة داخل غرفنا المباركة.
نشحذ تصميمنا للانطلاق البطولي لا للاختباء والاختفاء الجبان كالمعروف في ملاجئ شعب العدو.
نُحْكِمُ ضَمَّنَا الطاهرين يضيؤون جدراننا وأضلاعنا بنور الإخلاص، ولمعان وجوه الشهادة.
نعانق منافذ القيادة المركزية القسامية، لنبصم ونوقع على تاريخ حربي فريد، لنسلم مشعل الوشاح الفلسطيني ورايته لأجيال مقاومة تترى في درجات التحرير.
فاتركونا معالمَ تاريخية شاهدة على مرور القسام من هنا، فلا غرو إن انطلقت حضارة عظمى من نفق اسمه غار حراء، وفي الهجرة إليها نفق اسمه غار ثور، ودرعها الفاصل نفق اسمه الخندق.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم