الاقتداء وتغير القدوات


لا يخلو العالم من المؤثرين في غيرهم إلى درجة الاقتداء، ولو عَرَّجنا على التاريخ لقرأنا عن الاقتداءات المقبولة عموما، فالإمبراطوريات القديمة كانت تصان فيها العادات الخاصة، تتناقلها أجيالها في اللباس والأكل والاجتماع والسكن والقتال وطبيعة العمران.
لا يخالفها العرب القدامى إلا في مقوماتهم الخاصة بهم، أُضِيفت فيهم معالم الكرم والجود والمواعيد والوفاء والإباء والعرض والجوار والشعر وغيرها.
الاقتداء يقتصر عليها، والخارج عنها منبوذ، فكانت القدوة والاقتداء بالتوافق والرقيب الجمعي.
ربما لأن مجالات التأثير وجذَّاباتها حاصرتها قساوة البيئة المُضَيَّقَة المُعَسَّرَة للتواصل السريع والدائم، فالعادات والتقاليد القَبَلِيَّة تدور بين البيوت والقصور والخيام والأسوق والمجامع وغيرها من مجالات الاحتكاك المتقارب جدا، وقد تُوَضِحُ المدن المحصنة عند إمبراطوريات كثيرة الصورة أكثر.
حتى مستقبلو دعوات الرسل كانوا يتحججون بعادات أقوامهم في صَدّ الرسالات {وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ}الزخرف/23.
وسواء قبل الإسلام أوبعده كان الحياء والخجل يُسَاوِرُ كلَّ من يفكر في التمرد على ما سبق لينفرد بتقليد خاص يتفلت به على عرشه وبيئته، بمعنى أن العادات كانت تحكمها الأخلاق إلى حد بعيد وليس تامًّا.
وحَصَّنَ الإسلام أتباعه أكثر بالطبيعة العقدية والروحية والدَّعم النَّصِي طردا وعكسا، {أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ۗ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ}الأنعام/90، {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}الأحزاب/21، {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ}الممتحنة/4.
وحصَّنت السُّنة أتباع محمد ﷺ بذلك لكي لا يخرجوا عن الإطار العام للقدوة والاقتداء، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: {دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم}رواه البخاري.
استمرَّ الاقتداء على هذا المنهج، عند الصحابة والتابعين إلى درجة التمسك الشديد بالصغيرة والكبيرة من شأن النبي ﷺ، {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ۚ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}الممتحنة/6.
فالأشكال على أمثالها تقع، التقي يقتدي بالتقي، والمعتدل بمثله، والغافل بالغافل، والفاجر بالفاجر، وأفضلهم {واجعلنا للمتقين إماماً}الفرقان/74.
خَلَفَ بعد ذلك خَلْفٌ تساقطوا من الحصون الإيمانية والروحية، لأن التأثير انتقل من طبيعة إلى أخرى، وأَثَّرَ تباعد الزمان على القدوات والاقتداء.
ربما يتبع ذلك قاعدة السُّنة الحسنة والسيئة، فخلافا لإحياء السنة الحسنة ونيل ثوابه، وإحياء البدعة واكتساب ذنبه، كما في الحديث، فإن كثيرا من المشهورين بسلوكات مختلفة لا يقصدون التأثيرَ في غيرهم، ولا اقتداءَهم بهم، ولا اتّباعَهم، بل يوم القيامة سيتبرؤون منهم {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ}البقرة/166، ولكن الحديث خاص بالمُقتدي دون إكراه، أوجذب، أواستقطاب.
يُصْدِرُ الشباب تأثُّرًا بمشهورين، كاللاعبين، والفنانين، شبابٌ يُسدلون شعورهم اقتداء بلاعب، يرسلون لحاهم مثله، يحتجمُ فيحتجمون، يخنق رقبته بربقة يخنقون، مَوْلُودُونَ يُسَمَّوْنَ ويُلَقَّبُون اقتداء بأمزجة، تقليدٌ لبعض ممتهني المخدرات في اللباس والمشية المهانة الراقصة، وغيرها من السلوكات النابعة من تفاعلات مع حالات متفرقة، عوض الرجوع إلى الشخصية الأصلية والاقتداء بمن هو أهل كالأنبياء والرسل وعلى رأسهم محمد ﷺ، والصحابة والعلماء من السابقين واللاحقين في الشرع وغيره، فتحولت أذهانهم إلى ربوتات مسيرة، البيان وضرب الأمثال بالغرب في كل شيء، وكأنَّ عنده الحقيقة، لأن ضعف المسلمين ورثهم اقتداء متساقطا، والفراغ الذاتي يصرف إلى تَعَقُّبِ الغير.
يتبع بـ {تغير القدوات أسباب ونتائج} إن شاء الله.

الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم