حاجتنا إلى سلطة دينية

وصمة عار، ونقطة سوداء، وبصمة إجرام، في جبين أمَّة، تمزق وحدتها، وتفرق اجتماعها، وتحطم معالم شعائرها، فتسقُطُ رايةُ هيبتها، وتَنْحَطُّ عن مستوى ضميرها، بفرض تبعية البعض للآخر، في قضايا كثيرة، تفضحها مراقبة الهلال، رغم أنه غير متعدد.
أمَّة تضرب عرض الحائط بشمولية الإسلام وعالميته وعمومه، ودولتُهُ مدنية لا دينية ثيوقراطية، والدين عند المسلمين لجميعهم، علماء وعوام، باختلاف درجات العلم، والإيمان، والولاية.
المسجد لا يعيق تحديثات وتطويرات الحياة بقواعده الثابتة ومتغيراته المشروعة، بل يساهم فيها، لا يُوَظِّفُ مركز القداسة كتوظيف الكنيسة.
لكن لم تُفَرِّطْ الأنظمة الغربية في محورها الديني، ولمَّت شمل المسيحيين بكيان روحي، تَمَدَّدَ إلى التأثير السياسي والتعليمي، وحاول الوصاية بالعلاقات الجيوسياسية، على مناطق إسلامية في خصوصياتها، كالتربية والتعليم، رغم الفارق العقدي.
ورغم الثورة الغربية على الكهنوتية، وفرض العلمانية المتحررة من دِينِيَّتِها، لكنها في رأيي شكلية لا حقيقية، فأنظمتهم تخضع في القضايا المصيرية للكنيسة، لتبقى محورَها الحامي عقديا، وفكريا، وثقافيا، وتعليميا، واجتماعيا.
وعلى العكس حكومات منسوبة للمسلمين لا تقتدي بالعلماء المسلمين الصالحين العاملين في الواقع السياسي وحتى الشعائري، أوقع المسلمين في اختلافات شعائرية ومذهبية، وحتى جوهرية كالعقائد.
كلما نهضت محاولات لتوحيد المرجعية الإسلامية (لا المذهبية)، تتعرض للإفشال، وتبقى حبيسة المؤتمرات الفكرية فقط، لم تعصم المسلمين من الاختلافات المتعددة.
لا أدعو إلى كهنوتية إسلامية على غرار الكنسية، وإنما أدعو إلى إنشاء هيئة كسلطة إسلامية جامعة، تكون مهمتها:
1/حَجْرُ التلاعبات السلطوية، وتوليها تدبير الشؤون المختلفة.
2/الوصول التدريجي إلى انصياع الحكومات، كانصياع الغربيين للسلطة الدينية الكنسية.
3/القرار الفصل في الأحكام المختلفة.
4/توحيد المسلمين فيما يتفقون عليه، خاصة بترك التفاصيل غير الضرورية.
فلو كانت لنا سلطة دينية علمية إسلامية ما وقعنا في عار اختلافات كهلال رمضان، وشوال، وذي الحجة، والصراع القائم حول تفاصيل عقدية فوق الضروري، والتطاحن بين فرقها بما يفتن المسلمين، ويقحم العوام فيما يجهلون، وغيرها مما يقتضي تأسيس هذه الهيئة التي أدعو إليها، بشرط:
1/الاستقلالية التامة عن التقييدات والولاءات والانتماءات الحزبية والحكومية.
2/التجاوز من المؤتمرات والتخمات الفكرية والفقهية إلى إصدار القرارات الإفتائية الملزمة لا المعلمة.
3/العمل التدريجي عبر العلاقات مع الدول المسلمة على الوصول إلى التحكيم الشرعي في كل مجال، خروجا من شبهة الإقرار بالعلمانية عكس حال السلطة الدينية الكنسية المقرة بذلك لحكومات الغرب، وتسريبه لحكومات المسلمين.
4/العمل على تطوير وتحديث العلوم الإسلامية باجتهادات انتقائية وإنشائية، لتنقيتها من جزئيات زائدة على الحد المطلوب عقديا وفقهيا.
5/تستوطنُ البلادَ المانحة للتحرر من سلطتها.
وفي غياب الخلافة الإسلامية يُمْنَحُ رئيسُها اللقبَ المهاب، على غرار رهبان الكنيسة ومعممي الشيعة، إن كنا نستفيد من التجارب الناجحة لغيرنا.
بذلك يُحَرَّرُ مجال الاختلافات، والتدخلات الغوغائية، وتُضْفَى القداسةُ على قراراتها، لضمان سيادة المرجعية، وتلحيم النسيج الإسلامي، خاصة مع الأحداث العالمية المتسارعة، لتفرض مواقف إسلامية لا حكومية، وتؤطرها تحت العباءة الجامعة الشاملة، فيجد المسلمون الملاذ العقدي العلمي الفقهي الفكري الآمن، يعوضهم عن مهاترات الأحزاب والحكومات، لتقوى استجابتهم للسلطة الإسلامية، فلا تجد مفرا من مراعاة التفافهم حولها، في كل علاقاتها الخارجية، وقراراتها الداخلية.
للتخلص من:
1/افتخار حكومات بالسبق التديني.
2/إباء بعضها على بعض.
3/النمذجة الدينية بِعَيِّنَة سلطوية خاصة.
كان أملنا في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، لكنه لم يَفِ بالغرض، لعوائق، منها انتماءات فردية، وولاءات سلطوية، ليتصدع بأول خطأ ارتكبه الدكتور أحمد الريسوني، فلا مناص من:
1/إعادة هيكلته بإبقاء عضوية المستقلين فقط.
2/أوتأسيس هيئة جديدة تفي بما أسلفت.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم