أركان الزواج وإغفال بعضها

ركان الزواج وإغفال بعضها. أغلب المعاملات المعاوضاتية بين المسلمين تخضع لتنظيم دقيق في الإسلام لسد الفجوات المتسلِلِ منها أخطار كثيرة كالتحايل، والغش، والخدش في الثقة، والذهول أمام المطبات المفاجئة، والسفاهات، والتراجعات، والمراجعات، والمُنسآت، والنسيانات، وغيرها، مما يحتم الاحتكام إلى أسس وقواعد وشروط وأخلاقيات كل تعامل إذا عرفت واحترمت، فيُتَجَنَّبُ الزَّيْغُ، وتُؤْمَن الفِتَنُ، والنزاعات، والإحراجات، والمشاحنات، إذا تجاهلناها بإغفالها والاستغفال بها. لعقد الزواج في التشريع الإسلامي وفِقْهِهِ أركان وشروط صحةٍ، يبطل بترك ركن، ويجب إعادته، ويفسد بغياب أوتغييب شرط، ويمكن تصحيحه. وسواءٌ كانت الشهادة ركنا أوشرطَ صحة، فحضور مجلس العقد يشهدون لجميع الأركان لا بعضها. ما يحدث لحالات عديدة تُخفي قدرَ وصفةَ وأجلَ المهر استخفاف بالشهود، ومَنْقَصَةٌ لأهليتهم، واستغفال لهم بالعبارة السيئة (على مهر متفق عليه)، والأفضل عندي عدم دعوتهم أحسن من تمرير المجهول بين أسماعهم، ويؤسف لقبول الكثير منهم تمييعَ العقد، والاستعداد للاستبداد والاستخفاف، دون مطالبتهم بحقهم الكامل في الشهادة. الاقتصار على ذكر المهر دون صفته ومقداره وأجله أقرب إلى نكاح الشغار المنهي عنه في السنة. يرتكب وسطاء عقد الزواج المستغفَلين جرما خطيرا في حق ركن مذكور في القرآن. تلبية امتناع المتعاقديْن أوأحدِهما تقديمٌ للحرج الاجتماعي وتحكيمُه على الشرع، ومسايرةٌ للأهواء، عوض العكس، وهو من البدع المنقصة كالبدع الإضافية تماما. كل مهور الصحابة والتابعين والقرون الأولى معلومةٌ ولم يتحرَّجُوا منها، إلا ما نجهله عنهم لِعُسْرِ نقله، ولنراجع أخبار مقادير مهور النبي ﷺ والصحابة والتابعين فسنجدها معلومة ظاهرة حتى حدث الاختلاف الفقهي في الأدنى والأعلى. هذه الأحكام عمت بها البلوى، في عهد النبي ﷺ، والسلف الصالح بعده، فلمْ يُرَ لنا (على مهر متفق عليه). بعض الحالات يجهل الوسيط المقدار والصفة والأجل تماما، ويعلم منهما وجوده فقط، باستخفافٍ رَضِيَهُ على غفلة ممقوتة. حدث إبرام عقد زواج بهذه العبارة، ثم حدث طلاق قبل الدخول، دُعِيَ الوسيط الأول للشهادة على نصف المهر، جحد الطرفان المقدار، استدعَى الشهودَ، فقالوا لم نسمعه، فوجد نفسه في ورطة واقعية وشرعية خطيرة. أغلب الحالات غَرَرٌ نِسائِيٌّ، يطيعه الرجال، يرفعن قيمة مهور بناتهن، ويُلْزِمْنَ الرجال بالكتمان، ليشتبه بنكاح السرّ الباطل المنهي عنه، ولا يَدْرِينَ أنَّ موافقة الخاطب إكرام منه لخطيبته، وفيه بركة لهما، وإذا وافقت الخطيبة وأهلها على مهر قليل، فهو فخر لها بالتيسير على الخاطب، لكنهم يخشون المَعْيَرَةَ بالتنقيص، فيطلبون من الوسيط إخفاء قدره وصفته وأجله. أهواء ما أنزل الله بها من سلطان، تُنَزَّلُ منزلة التشريع والعياذ بالله. وبالأقل ضررا نجد بعض الأفاضل وخاصة من الأئمة يوافق الوكيليْن في إخفاء المقدار عن الحاضرين، لكنه يُدَوِنُهُ في سجل خاص به يوقع عليه شاهدان، وهذه كذلك عليها تحفظات، منها: 1/الإسرار للشاهديْن المُوَقعيْن فقط. 2/الاستعانة بهما على إخفائه عن الحاضرين. 3/تأهيلٌ لهما دون حق الحاضرين الآخرين. 4/تسفيهٌ ضمني لهم، إذ لم تدع الحاجة إلى حضورهم. ما يدعو البقية إلى القول كان عليه دعوة الشاهديْن المُمْضِيَيْن فقط. وإذا مارس أحدهم حقه في انتقاد العملية من الناحية الشرعية الفقهية العلمية الإجرائية قوبل باستهتار العوام الجهلة البعيدِين عن الفقه وسدِ الذرائع، رغم أنه إرادةُ تثبيت أمر مشروع لا الاطلاع حقيقةً على خصوصيات الناس. فلِيَرْبَأْ الناس بأنفسهم من الابتداع في الدين، والتجاوز على أركان المعاملات الإسلامية، وتقريب زيجاتهم إلى السر، والشغار، وليبصروا الخطر الشرعي على مستقبلهم التعبدي بالزواج. ولتتكفل المجالس العلمية لوزارة الشؤون الدينية في الولايات بإجبار الأئمة على ذكر كل الأركان سَدًّا لذرائع الفتن البعدية.

الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم