الدينية ميدان رحب، عقيدةً، وفقها، وتربية روحية، وتزكية نفسية، وترجماتٍ عمليةً بالقيم، وتحصينَ أمة، وذودا عن ثغورها دفعا، أوطلبا، أما قصرها على جوانب فتضييق للشمولية الإسلامية وعمومها.
يتناول مسائلها متخصصو العلم، شفهيا، فإملاءً، فكتابة، فتأليفا للمصنفات والمجلدات والكتب، فمحاضراتٍ وندواتٍ ودروسا وخطبا مسجدية، مواكبة للتطورات النافعة، فعالَم اليوم وباستحداث النت، منخرط في نُقلة اتصالية نوعية.
والتواصل لا يخص المواقع الميدانية، فالأنترنت شبكة قلَّصت مسافات متباعدة، وحوت تقاربًا فرديا واجتماعيا وحكوميا.
توافقت الآراء على ضرورة استخدامها، كالفيسبوك والأنستغرام، والتريدتس، والتيكتوك، واليوتيوب، وغيرها، وتزاحمتها الإنسانية بصالحيها وفاسديها، ورضيت بالحاجة إلى توسل تأثيرها الإيجابي، فلم تبق حجة للتمعض من أصناف الحسابات المختلفة، ولا اعتبارها عالَما افتراضيا، ما دامت مؤثرا واقعيا، بنشر المعلومات الصحيحة والخاطئة والكاذبة، كالإشاعات والحسابات الحقيقية والوهمية، بل هي واقع يوازي الشارع والبيوت والتلفاز والمحاضرة والندوة والمسجد، فقد هزَّت وألجأت الكثير إلى الردود والاعتراف والنفي داخلها وخارجها.
وهي سلاح ذو حدين، وإذا عجز المسلمون عن إحداث طفرة تقنية خاصة مستقلة، فيحسن الاستثمار في حدها النافع.
والمسائل الدينية ليست بمنأى عن هذه الشبكات والمواقع، بمسوغاتها ومحذوراتها، فأصبحنا نقرأ ونستمع عبرها لمن نعجز عن لُقيَاهم لبعد المسافات المحلية والدولية.
ومن الطبيعي استماع وقراءة أصحاب الحسابات، عواما، وخواصّ، موافقين ومخالفين، لأطروحاتهم، كتدخلات العلماء في الشارع، والمساجد، والقاعات، والمرئيات.
وإذا جهل المتدخل عقيدة أوفقها نوعيات سامعيه ومشاهديه وقارئيه، في الكتاب، والإعلام المرئي والمكتوب، فإتاحة الإعجابات، والتعليقات، والردود تُريهِ هوياتهم، وعددهم، وطبيعتهم، ليُقِرَّ خطَّه، أويحسنه تحديثا وتطويرا، دون تحفظ من هذه الساحات بادعاء الافتراضية.
والمساجد تستقبل اليوم كل الأصناف، ويحتجز المدرسُ والخطيبُ مكبر الصوت، بحياء الحاضرين، أوإعراضهم خوف طول المكوث، أونعاسهم، أواستفراد الإمام، أوخشيته من إحراجات الأسئلة والردود، فإنَّ الشبكيات تستقبل طبائع أكثر من المسجديين، والكتابة فيها والتسجيلات، تُتَابَعُ بالقراءات والاستماعات والمشاهدات بتأنٍ مع حيازة أصحابها حق التعليق والرد قبولا ورفضا ومناقشة واحتجاجا دون الحواجز المسجدية.
لذلك لا أرى التحفظ أوالتمعض منها، وتضييع الخير والعلم والفقه أوالإشارة إلى المؤلفات على طبقات بشرية غير مسجدية، والاكتفاء بالتهاني والتعازي كما يفعل بعض الأفاضل، لأني أراه في تقديري إعراضا في أحسن الأحوال، واستكبارا عليهم في أسوئها، وهو ما لا يليق بالأجلاء ذوي المكارم.
وإنْ اشترطَ البعضُ للمشاركات الكثيرة ضوابط فهو صواب لابد من التقيد به، مثل:
1/الاحترام المتبادل، ومراقبة المنشورات، وضبط النفوس أثناء المناقشات، والحفاظ على مشاعر الغير، وأسرارهم، ومراجعة لغات وقواعد النصوص.
2/الابتعاد عن الاستمداد من الذكاء الاصطناعي، لأن الركون إليه تعبير عن عجز علمي وفكري وفقهي ليس ميدان الصالحين.
3/التقيد بالعلمية في الطرح والاستدلال الصحيح.
4/المزج بين ترويض العوام وإرضاء الخواص.
5/التفرُّغ للنفع عوض تضييع الأوقات وإهدار الجهود بمهاترات طائفية أعراقا ومذاهب، كاتخاذ الوهابية غرضا للتنابز، والأشعرية لِلَّمز، والإخوانية لِلذَّم والسب والشتم، غافلين عن ضرورة تزويد الأمة بالقوة الفكرية والثقافية والعلمية.
6/تخصيص مقال أواثنين أسبوعيا ليتمكن الجميع من علوم الناشرين، فالإكثار تشتيت.
الذين يطردون التدخل الديني من شبكات التواصل، إما:
١)لإبعاد الإسلاميات من ساحاتها.
٢)أولخداعها بتنزيه مناور.
٣)أولتمييع الشبكات.
٤)أولاستئناف التضييق والتحجير المذهبي والفكري.
إن صبر العلماء وتلاميذهم على المصنفات بخطوطها وأساليبها القديمة، أوالاستماع لشراحها، لخلو قرونهم من المنغصات والشاغلات، فالضرورات العصرية وحاجياتها وانشغالات أيامها تلجئ إلى الجاهز السريع، باقتحام أهل العلم الواقع الشبكي، مع اختلاف درجات الصبر، فالمشاركات تُمِدُّ بالمنافع، ومناقشاتها، إذا كان بمزاج خفيف، ولغة سليمة، لعلَّ الشوق إلى الكتاب يتجدد.