ذكرت في المقال السابق حالات التحرر من الصنميات المختلفة، وأحاول اليوم بيان أصناف الصنميات وأسبابها، وفروعها المتولدة، وهي الآتية في نظري:1/الصنمية النفسية:تتولد منها:١)الشخصية: يحاول بها صاحبها صناعة أُبَّهة الأنا، بمظاهر وأداءات متنوعة جلبا لحرمة ضائعة ذاتيا على الأغلب، أوتقليدا انبهاريا، تتهيأ له نفسه صنما ينبغي أن يكون محور الالتفاتات الفردية والجماعية، يُسَوِّقُ لها في الأسر والشوارع والمنتديات والمؤسسات والتجمعات البشرية المتنوعة.٢)الوقائية: يتوهم بها الخشية من هواجس تمنعه الظهورَ المُحِقَّ الصوابَ، ينظر منها بحذر من عواقب خيالية.٣)الاجتماعية: يكبله الإيغال في اعتبار كل النظرات المجتمعية بحلوها ومرها عن المرور في الأروقة الإنسانية الصحيحة، فيتولد منها الرضوخ للوصاية المحيطة كالأسرة.2/الصنمية الحزبية: والمقصود منها الفكرية الأدبية العامة والقيادية المهيمنة على اهتمامات المتعاطفين والمناضلين، ليصبح الحزب مصدر القرارات والسلوكات بما فيها الذاتيةيتولد منها مظاهر:١)تسلط القيادات على الحزب، والمنع الصارم من مساءلتهم، للقداسة المستلبة بالوقت.٢)التزلف للزعيم تلبية للأطماع.٣)الولاء للحزب أوالتنظيم.٤)تجريم المخالفة الطواعية للحزب أوأدبياته، والتحفظ من أفكاره، أوتحليلِها، أووضعِها فوق طاولة التشريح، وكأنها وحي معصوم.٥)منع الأصلح منها نيلَ أصوات ناخبين كثر رغم نفعها.من أسبابها:أ)التاريخية والشرعية الدينية.ب)التاريخية والشرعية الثورية.ج)التاريخية والشرعية النضالية، كبعض القيادات المعارضة الناجحة في قلب أنظمة حكم.3/الصنمية السلطوية:يتولد منها الوصاية على الأمة، بينما يذكر تاريخ السير خطابات التنصيب لخلفاء، (لست بخيركم ولا أفضل منكم)، مَكَّنَ الأمّة من تقديم النصح لولاة أمورها ذلك الزمن.4/الصنمية الانهزامية:التي تصنع من المتفوق صنما، التأهب للتحرر منه ضرب من الخيال، والمُحاورُ عرضةٌ للاستهزاء، كما يُتوهم مع القوة الأمريكية.5/الصنمية المذهبية:١)المذهبية الدينية العقدية، والفقهية، يتقرر التعصب لأحكامها، ولو جاء الدليل بعكسها.٢)المذهبية الفلسفية كقداسة فلاسفة القرون الغابرة عند المنبهرين بهم.٣)المذهبية السياسية: كالمبادئ والقيم النظمية غير القابلة للنقاش والتبديل، وكأنها وصايا مكتوبة فوق مكانة الدستور والقانون.6/الصنمية الجهوية: بعضهم تصيبه عقدة الدونية أمام وثنية المنطقة، فيجد حرجا من الانتساب لجهته.7/الصنمية الضاغطة(اللوبيات):المؤثرة في قرارات السلطان، لتصبح مع الوقت بعبعا تسترضيه المناصب.صنميات صنعتها وتقبلتها العقول السفيهة، والنفوس العليلة، للتَّزلُّف لها بغير حق، أضافت استبدادات تُبَرِّر للقهر العام، والاستغفال الخاص.ولكل منها منطقة الاختصاص.صنميات يرفضها العقل الحر، ويأبى رضوخ الإنسان للإنسان المساوي، أما الأكبر كالوحي فاتباعه أمر طبيعي، لأن العقل الراشد مُقِرٌّ بعصمة المنزل من الله، فإذا وجب خضوع الآلة لصانعها، فالمخلوق مع الخالق أولى، لهذا أُطلِق لفظ الصنم أوالوثن من القدم على ما هو أدنى من البشر أومساوٍ له، ولم تطلق أبدا على الله تعالى، لأن بني آدم كلهم عالمون باستحالة الرقي إلى فوقيته، للتفلت منه، أوالتنكر لربوبيته كالتمرد على الأوثان، أوالتسويل للنفوس بكسرها في الأرض، أوتحطيمها في القلوب.صنميات تستعبد مبتغي الآفاق الحضارية البعيدة، فلا حركة إنسانية لمراعي حجريتها الملموسة والذهنية، واستحواذها على الضمائر المستلَبة، فيوافيها الأجل داخل حضيرة العبيد.المنتبهون أعملوا العقول، والأرقاء أضاعوا فرصة صون القيم، فاثَّاقلت بهم أوحالُ الهلع.هكذا يفكر الضمير الحر، لمنع التسلط الصنمي ووصايته عليه، وهو أقدر على التفكير مثله، لأنه يأبى إهانة عقله، أوإسلامه لغيره.إلا الحياء ممن أقوى علما وفكرا، لا ليبقى رهين الاحتباس له، ليصنع منه ضد نفسه صنما آخر، وإنما ليبذل الوسع في الارتقاء نحو عليائه ليَعْدله، مبتعدا عن الاستعداد الصنمي والاستبدادي على نفسه من حيث تنطلي عليه الحيلة المعاكسة، احتراما وإفادة، دون عصمة مفتراة.
Tags:
ثقافة
