الخطاب المسجدي بين القَتَامَة والإشراق.

بعض أئمتنا الأفاضل، وبأصواتهم الجهورية، يُقَتِمُون وصف جوانب الحياة، وكأني بالحاضرين، المُرَكِزين، (كما قال أحدهم)، يشعرون بتحول الجنة التي دخلوها عبر المسجد إلى جحيم، يتعجلون الخروج منه إلى الجنة.
الإسلام رحمة الله ونوره للإنسانية، (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)المائدة/16.
مقصد الدرس المسجدي ضَخُّ الإيمانيات المشرقة، ليشتد وقعها على النفوس نفعًا، حين يتلقون بأسماعهم كلَّ ما ينجيهم بنور الله، ويغسل حَوْبَاتِهم الأسبوعية، لا تفجيرُ عاصفات صاعقة مُلَبَّدَة، بعتاب يَهيل عليهم اللوم، دون بدائل.
أرى مردَّ ذلك إلى:
1/عدم تحضير بعضهم الدروس بشكل تام ممنهج.
2/الارتجال المُوقِعِ في التشتيت والاضطراب والإنساء.
3/نقص فكري علمي فادح في المعارف المؤهلة للعطاء، فيصاب بحكمة، (فاقد الشيء لا يعطيه).
4/تجاهل مستويات المُجَمِعين وعيا وفكرا وتعليما، وإدراجهم ضمن العوام.
5/فرارٍ من كفاءة عرض المفاهيم ببساطة وتشويق وإدخال السرور على الناس بها، لأن:
١/العتابَ المستعرِضَ واقعا مرئيا سهل، يكفيه استذكار الجرائم والمخالفات.
٢/عرضَ الحلول بنورها الرباني يُكَلِفُ بحثا مُضْنِيا.
قَتَامَةٌ تستحضر قرون الجاهلية، أوحِقَبَ تخلف المسلمين عقيدة وفكرا ووعيا وحضارة، متجاهلة نتائج مبهرة لجهود الإصلاح منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي.
عاتبتُ أحدَهم على ذلك، فقال: "لقد ذكرت الحلول في ثنايا الوصف"، ناسيا أن من يَفُكُّونَ تشفير الكلام بمفهوم المخالفة قِلَّةٌ.
مبالغةُ تمرير السواد إلى عقول المصلين، بناءٌ هارٍ، والتقريع بالذنوب والخطايا وأسبابها العملية ليس ذا نفع إن لم نبالغ كذلك في التبشير بالأجور وجالباتها العملية، لِيُعْلَمَ أن الإسلام يُدْخِل الجنة، لا يضع على الأعراف، فَارِين من الآثام، ومُبْتَغِينَ ملجأ الحسنات.
ولذلك أدركَتْ الكنيسة أساليب تثبيت تابعيها على النصرانية من خلال استغفالهم بمصطلحات الخلاص الرباني، واعتبرت أعمالها في الإنسانية تبشيرا، ونحن خجلنا من تبشيرنا، رغم تصريحات نصوصنا، {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}البقرة/25.
{يَسِّرَا ولَا تُعَسِّرَا، وبَشِّرَا ولَا تُنَفِّرَا}رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري.
إن الناس يختلفون في غايات قصدهم الجمعات، فمنهم:
1/الداخلُ المُبَكرُ لنيل أجر يوم الجمعة بداية بدرجة المتصدق ببدنة، ثم يسمع المدرس بوصفية غمامية سحابية كئيبة.
2/الداخل لِيَتَلَقَّنَ الجديد، فيجد القديم المعلوم المرئي في البيت، والشارع، والمؤسسة، فيخيب.
3/الداخل للتوبة، فيسمع عن مُرْتَكَبَاتٍ أكثر أوأقل أوتساوي مُقْتَرَفَاتِه.
وعلى العكس نستمع لأفاضل تشرئب الأعناق مشدوهة لخطابهم الرائع الموجه نحو الخير، بصيغ متعددة لينهل منها الجميع، وحسب قدراتهم، مبتهجين بزادها الذي يخرجون به من الجمعة والجنةُ رأيُ بصائرهم.
إنَّ لبعضهم همومًا قد تجليها عبارة رحمة، أفضل من مبالغة ترهيب، فالشيطان بالمرصاد لانتشالهم نحو كفر يوهمهم بالفرج على يديه.
المسجد مشروع جنة لا جهنم، ومباحات فالمحرمات قليلة، ورحمة لا ضنك، وسعادة لا شقاء، وأمل لا يأس، وإيضاءات خطابية للمرور فوق صراط الذنوب نحو الأجور.
وشروطه:
1/التزود بالعلم الكافي، والمعارف الواسعة في مجالهم.
2/غرس معارفه في أفئدة المسلمين بالتشويق إليها، ليتعلقوا به عوض جهنم، فالقلب الذي نحييه لا يجمع إثما وأجرا، {مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ}الأحزاب/4.
3/العلم بأن المعسكر كثير النفع ينعدم أويقل فيه الضرر.
4/تقليل نقل الصور البشعة إلى المسجد، لنخرج إلى الشارع والبيوت والمؤسسات ببشائر الجنة.
5/حقن القلوب بجرعات الرغبة الجامحة في الله.
6/ترقية مستويات الوعي بالمراحل الراهنة المزامنة لما قبل الجمعة، لامتلاك التقنية الحِكَمية في رفع المسجدِيِين من أوحال الغَمِ إلى استنهاض حضاري مشرق، فرديا وأسريا واجتماعيا شعبيا وحكوميا.

الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم