طوفان الأقصى وحيوانية الغرب.


كثير من الناس موسوم بالأخلاق حالة الهدوء، فإذا خرج إلى الواجهة الاجتماعية والسياسية والمالية والحربية وغيرها، خضع للاختبار، ونال العلامات المناسبة لدرجات الاصطباغ بها.
والغرب أكثر من ابتلينا بحقيقة أخلاقه، نعترف له بالبون الشاسع عنا في مجالات مدنية، يغترّ المسلمون بإنسانيته وخدماته بدء بالنزول في مطاراته، أوحدوده البرية، أوموانئه البحرية، لكن الأخلاق لا تقف عند حدود التصافح، وإفشاء السلام والرد عليه، ولو باللغات واللهجات المختلفة، أوبالتوقيع على الوثائق، أوأساليب التعامل التجاري، لكنها تختبر حين الغضب، والحرب، بالوقوف عند معالم تحقيق الأهداف السياسية والقتالية وانتصاراتها وإنجازاتها، أم بالتجاوز إلى الممنوعات الشرعية والقانونية والعرفية، وفي هذا السياق مفارقات، بين المبادىء وترجمتها إلى قيم متبناة أم لا، بين إملاءات روحية بأحكام شرعية ملزمة ولو بالأدبي قبل القضائي، والروحي قبل القانوني، والسماوي قبل الأرضي، والرباني قبل البشري، فقد كان رسول الله ﷺ صارما مع النفوس والجوارح، قبل الحرب ليضمن الالتزام قبلها وأثناءها وبعدها، لضبط العملية الحربية عند حدود الأهداف واحتكاكات تحقيقها فقط، فإذا تمّت، قيل للمحارب (قف)، فليس من حقك، ولا من واجبك، يأمر بتجنب قتال من لم يقاتل، شيخا، أوامرأة، أوطفلا، وبالتجاوز عن الزرع والضرع، لأنها ليست معيقات سبيل الهدف، يبدأ بالدعوة إلى الإسلام قبل الاقتتال، لا يجهز على جريح، ولا فاقد السيف، ولا يقتل مستجيرا، ولا يمثل بالقتيل، ولا يقتل أسيرا، بل يصونه، وغيرها من سلوكات راقية في عز الغمامة النفسية المحاربة، في أوج الاحتقان المعنوي والبدني، مراعاة إنسانية عالية المستوى، كبيرة الإعجاب، نعتبرها دعوة وتبشيرا بالإسلام تحت صليل السيوف، ووابل الرصاص، أعجبني نهي قسامي لأخيه يوم هجوم الطوفان عن التنكيل بقتيل في بئر السبع، قائلا، "لا إنه ميت"، كل ذلك وغيره لصيانة إنسانية الإسلام حتى في حال الاعتداء عليه بحق الدفاع عن نفسه وحياضه.
لكن كثيرا من غير المسلمين يسلكون حيوانيا مع المحاربين المسلمين، قبل الحرب وأثناءها وبعدها، لا يرقبون في أحد ولا هيئة عهدا ولا قوانين ولا مواثيق دولية، {لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ}التوبة/10.
حيوانية تتعدى أهدافها المحققة، تأتي على الطفل والمرأة والشيخ والمريض والعاجز والأعزل والطريق والحجر والشجر والبيوت.
أمّنت أمريكا عودة العراقيين من الكويت ثم أبادتهم عن بكرة أبيهم في الصحراء، وأمّن الاحتلال الغزيين ثم قصفهم في طرق نزوحهم، في صورة غدر لا نعرفه إلا عند الحيوانات التي لا تعلم ولا تفقه ولا تعقل.
الإنسانية والحيوانية الغربية مزدوجة المكيال، إنسان مع أمثاله، حيوان مع خصومه.
غرب سفيه يوكل سفيها، يروم سلاما باتفاقيات تناسبه وتعذب خصوم وكيله.
غرب عرف للحيلة مكلفا، ففوض عن نفسه الكيان نيابة عنه لينكل بالمسلمين، للقضاء على كل نهضة تُرتجى، ظنا منه وخرصا، {إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ}الأنعام/116، فكل ما يصدر من الاحتلال توكيل من الغرب السياسي، رغم الاعتراض الشعبي.
أرسل كلبه المسعور بمخالبه وأنيابه ينهش الأبرياء والعزل ليضحك غيضا من لحوم تقطع، ودماء تراق.
الفرصة عنده مواتية لتثبيت كيانهم لئلا يطرده المسلمون فيعود إلى بلادهم من جديد، فتراه بإشارة منهم يخترق كل بنود معاهدات الصفقات، بمتابعة القيادات المقاومة منذ أحداث ميونيخ سنة 1972، واحدا تلو الآخر، التضييق والحصار بحيلة الخطوط المرسومة في الصفقة الأخيرة، لا مراعاة لجوع، أوبرد، أوأمطار تقتلع الخيام، أوتشريد، أوفقر، أومرض، تماطل دولي متآمر ليمنح الاحتلال وقتا إضافيا لمسح الغزيين من الخريطة وأنّى له ذلك؟ لكنها حيوانية غربية في جلد بشر.

الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم