طوفان الأقصى بين السابقين والمتخلفين

ملاحقة الحق للباطل سنة ربانية كونية، يعتلي مسرحَها السابقون، {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ}التوبة/100.
قواعد القرآن تضبط الزمان والمكان، وتُحَكَّم في بطولة غزة، السابقون عملا، وقولا، وتأييدا، والمتأخرون، قعودا، وسكوتا، وتخذيلا، المتأخر يفتن المقاوم بالشبهة، مبطنا متلازمة الانتصار للعدو، {يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ}التوبة/47.
المتعلق بالله، وبسننه، موقن بدحر الباطل، وبأنه لن يتم إلا بعد بلوغ العدو هرم الجبروت، ليهزمَه حقٌّ لا يَزْرَى به، فيسابق بالخيرات، ينفق، يؤيد، يوعي، يغار على العرض.
والخصم من بني الجلدة والدين ظاهرًا يتخلف، بل يبخل، يُحَرِّض لنفع العِدى، يمسك على الجمر من ترقب هزيمة أصحاب الأرض والعرض، تَشَفِيًا، وهُيامًا مع متبوعين، لهم مصالحهم دون أمتهم.
حتى إذا ضاقت الدنيا على المؤمنين بما رحبت {إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا}الأحزاب/10، وظنوا ألا ملجأ من الله إلا إليه، جاءهم نصر الله {حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ}يوسف/110.
يومها يتحسر المتأخرون من نصر الله، ويفرح السابقون بإسناد الخِلاَّن، لأن لهم فيه يدا، ولو كلمة، فيرزقهم ربهم قدم السبق، ويحزن المتخلفون، {وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا}النساء/73
إن للمتخلفين مبرراتهم لتسلية النفوس الضعيفة، منها:
1/انتظار الاستقواء التام، مع أن الله أمر بإعداد القوة الممكنة المستطاعة، لأن الحرب دفع، وليست غزوا، {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ}الأنفال/60.
2/تلبيس المقاصد الشرعية بنفسيات وهمية، أغلبها إرادة مبطنة لاتباع صنف من المتسلطين المتسترين بجلد التوحيد.
3/التستر وراء عداوة انتماء عقدي، وتنظيمي، رغم أن صاحبه غير بريء من لواء تنظيم هلامي، وأن حروبا جهادية خاضها حاملو تفاصيل عقدية مختلفة، لكن الله نصرهم بالصدق والإخلاص وإرادة إعلاء كلمة الله.
4/التحجج بالأرواح، لكنهم يتناقضون إذ لم يستطيعوا وصف مظاهرات الجزائريين ضد المستعمر الفرنسي بالتهور، ولا بإزهاق الأرواح، رغم سقوط شهداء كثر، ربما بلغ تعدادهم أضعاف شهداء غزة.
فمقاومات الجزائر المتعاقبة، الأمير عبدالقادر، متيجة، أحمد باي، الزواوة، ثورة بومعزة، الزعاطشة، لم تحرر البلاد من المحتل، لكنها فضحته، إلى أن تلاحم الجزائريون تحت راية واحدة، لكن ولا أحد من الجزائريين، ولا أهل العلم استنكروا عليها، {فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}آل عمران/146، وما وضعوا اعتبارات منتقدي مقاومة غزة الباسلة، بل العارفون يعلمون أن التحرير تقوده قدرات دولةٍ وهيئةِ آلياتها، أوفي مكانتها، لكن لا تُكَبَّل المقاومات عن التقليل من أضرار الاحتلال، والإخلال بخططه وتوازناته، ومنعه من التقدم في مناطق ولو جزئيا، لكن الذي يُمَكِّن الكيان هذه المرة من التقدم الزاحف نوعا ما هو الخذلان الضاغط على المسلمين عوض الكافرين، يمارسه قوم لو نُصِرت المقاومة ادّعوا عونها، وإن هُزِمت تخلصوا منها، وفرحوا بعدم الخوض معها، {وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا}النساء/72، هم المخلفة قلوبهم، عن السبق الأول.
صبروا على استبداد يُذِلُّ رقابهم، بتغليف شرعي، عوض الصبر على حرب تُحَرِرُهم، {وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ}التوبة/81.
تلين ألسنتهم للظالمين والجبابرة، ويَحُدُّونها للمسلمين المنافحين عنهم، شتان بينهم وبين السابقين، لا يستوون عند الله وعند الذين آمنوا.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم