2/لكفاية النفوس بالتكاليف المقدورة عن عسر تجشم المجهولات.
عن أبي ثعلبة الخشني أن النبي ﷺ قال: {إنَّ اللهَ تعالى فَرَضَ فرائِضَ فلا تُضَيِّعوها، وحَدَّ حُدودًا فلا تَعْتَدوها، وحرَّم أشياءَ فلا تَنْتَهكوها، وسَكَتَ عن أشياءَ رَحْمةً لكم غيرَ نِسيانٍ، فلا تَبْحَثوا عنها.}رواه الدارقطني والحاكم والبيهقي.
منطقة السكوت في النصوص، أوسع من المنطوقات إيجابًا أوتحريمًا، لسعة التشريع، فلم تُضَيِقْهَا النصوص.
فالرحمة ببيان قلة الواجبات والمحرمات، والمساحة الكبيرة للمسكوت عنه، فسحة، بفعله عادة أوتعبدا، أوتركه عادة أوتعبدا وورعًا.
أشرت لتلاميذي إلى مستهل حديث الشبهات {الحلال بين}، لشساعة دائرته مقارنة بدائرة الحرام، وهو من العفو.
فيحسن:
1/صيانة النفس عن تكليفها بما يسوؤها بالسؤال الفضولي، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ}المائدة/101.
2/صيانة عباده، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال {أعظمُ المسلمينَ في المسلمينَ جُرمًا من سألَ عمّا لم يُحرَّم فحُرِّمَ على الناسِ من أجلِ مسألتِهِ}رواه البخاري ومسلم.
زارنا المقدم قائد القطاع العسكري بالمدية أثناء الخدمة الوطنية، سأله أحدنا عن أشياء، أحرج الرقيب المكلف بنا، ففرض علينا المداومة الأسبوعية بسببه، وكنا معفيين منها قبلُ، بانتهاك زميلنا مسكوتًا عنه.
اعتبر الحديث ذلك جرمًا على التشريع، والعلاقات البينية، بتحمّل السائل تكليف غيره ما لا يطاق، يسمى تَسَبُّبًا.
من التطبيقات الواقعية للنص تجنب الآتي:
1/استفسار مسؤول ذي قرار عما لم يكن في باله، فيخطط له بما يَشُقُّ على الساكنة أوالمارة.
2/السؤال عند تقديم ملف عن وثائق أخرى، فيُلزمه الإداريُّ بها اعتباطا.
3/السؤال عن مسكوت طبيعي كالنجاسة المجهولة على الثوب، اتقاء الوسوسة.
4/السؤال عن خِطبةٍ أوعقدٍ قبلي على امرأة، أوسومٍ أوعقدٍ قبلي على سلعة، فالخاطب متقدم لا سائل عن خاطب أوعاقد قبله، والمشتري مساوم ليس معنيا بمساوم أوعاقد قبله، لقاعدة {ما غاب عنا لا نسأل عنه}، درءً لتَنَطُّعٍ مُتَسَبِبٍ في استحداث أحكام سكت عنها الشرع الرحيم.
يُعْجَبُ البعض بأسئلة الناس، وعوض تركهم على العفو، يخترع أحكاما من وحي الواقع، كأنه يفتح أويسد الذرائع.
يردد فقهاؤنا {دعها حتى تقع}، لئلا نسأل عن المسكوت، واستنكر بعض العلماء كالشيخ القرضاوي رحمه الله، مسمَّى الفقه الافتراضي، مما ليس فيه نص ولا اجتهاد، فالأحكام الافتراضية تختل بحلول توقعاتها، والملابسات تختلف زمنا، وظرفا، وأفرادا معنيين حقيقيين أواعتباريين، فيكون الفقيه المُفترِضُ شَقَّ على نفسه بما لا طائل من ورائه، إن كان حَيًّا، وإن مات، فالعسر أكبر إذا حاول خلفاؤه تطبيق فتواه الاستباقية على واقع مختلف، مع جهلهم بآفاقه المرادة.
إنَّ تَمَحُّلَ المسكوت عنه:
1/تَكَلُّفُ مُشَاقَّةِ الله ورسوله.
2/مُفْزِعٌ للمعنويات، مَنَجِشٌ للقلق، بعدم التوصل إلى إجابة مقنعة.
3/تشتيت للعقل بين مُحْتَمَلَاتٍ لا يضبطها نص أواجتهاد.
4/جلب للوسوسة، تحيل العقل الصريح مريضا.
5/تطاول على النصوص، وادعاءُ عدم كفايتها.
6/تدرج نحو افتراء أحكام تُضَيِقُ الواسع، وتذهب باليسر، وتبطل أصل الرحمة.
فينبغي:
1/استثمار مفاهيم النصوص الشرعية القواعدية في تنزيل منافعها ومحاذيرها على الواقع.
2/الوقوف عند الحدود الأخلاقية:
١)الواقية من العنت الذاتي بسبب الجهل.
٢)المجنبة للاحتكاكات السيئة ذات العواقب الوخيمة على العلاقات الإنسانية.
3/الحذر من الانجرار وراء أسئلة العوام مما سكت عنه الشرع والقانون.
العفو أوسع من الإلزام، ليعيش العباد حياة بشرية عادية، لا رهبانية ثيوقراطية استثنائية.
Tags:
شرعيات
