التسديد الرباني للرد الحمساوي

عرض الرئيس الأمريكي ترامب على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة مقترح إنهاء الحرب في غزة على قادة عرب بحضور الرئيس أوردغان، وهو ما حرَّفه رئيس وزراء الكيان الذي أقنعه بخطة الواحد والعشرين بندا، ثم أعلن يتهدد ويتوعد، ويرغي ويزبد، بتحويل غزة إلى جحيم إن رفضت حماس المقترح الثنائي.
أثناء مراجعتي اليومية للقرآن الكريم، مررت يوم السبت على قوله تعالى {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ(173)}آل عمران، فتملكتني عبرات متكررة لأجل إخواني الفلسطينيين كلما أعدت قراءتها، وقلت إن إخواننا قد اجتمع عليهم العالم بخيله ورَجله وعسكره وتدبيره، فلا ناصر لهم إلا الله.
لكنه سبحانه لا يسوق المتوكلين عليه لقماتٍ بين أنيابِ فكوكٍ الكفر، وضحايا بين مخالب أرجل ضباع الباطل، ليجادلوا به الحق، وسيلهمهم صواب التدبير، وسيكفيهم الماكرين، بما شاء من الحكمة والوسائل والإمدادات.
فألهمَ قيادة حماس حصافة وصفتها جهات كثيرة، سياسية وإعلامية بالذكية، والإعلام العبري بالخبيثة، قال عنها مسؤول منهم، (اللعنة على حماس).
لقد عزفت حماس على وترين:
1/البروتوكولي: الذي يُكَبِل السياسيين عن الاعتراض كعرف دولي يبقي الحسم للجلسات التفصيلية.
2/غرور ترامب: فلم يتمالك نفسه من الإنتفاخ، والترحيب السريع، تماما كما بادر أبوسفيان رضي الله عنه إلى بقايا رجالات الشرك، داعيا إياهم إلى دخولهم بيته، مرتفعا إلى البيان النبوي الحكيم، منتشيا بكرم الجوار، لكنهم علموا عموم العفو النبوي، فلجأوا إلى بيوتهم وأغلقوها.
يساورني ظن أن حماس وافقت على الإطار العام الأول الذي طرحه ترامب، وأجملت عبارات بيانها لتترك التفاصيل للتفاوض، لكن أعماه عُجْبُ افتكاك الموافقة، والأمارة استبشاره المزهو بالارتياح لمجريات التفاوض، وترديده المتغطرس هذه الأيام لتقدمها، وبطره بنتائجها الأولية، رغم كثرة النقاط التي لم تطرح في إجابة حماس، كمسألة السلاح، ومستقبل الحركة، وتسيير غزة وإدارتها، وبالعكس أكدت على تواجدها وشراكتها دونما اعتراض من الإدارة الأمريكية، ورفض إدارة الاحتلال.
إن حماس:
1/جرَّت ترامب إلى اتهام الكيان بالعزلة السياسية.
2/خنقت الاحتلال، وعزلته سياسيا، اضطرته إلى المشاركة في المفاوضات، تجنبا لمتلازمة التنصل من السلم، ووقف الحرب، ومضاعفة الاحتقان الشعبي، للخروج من عنق الزجاجة الحمساوية، والخسائر الميدانية الكبيرة في العتاد والآليات والأفراد المُعَتَّمِ عليها لحد الآن.
لا أبرر ولا أشرعن لحماس، لكن سلوكها كفعل النبي ﷺ مع المشركين في الحديبية، وغرور زعماء قريش، {والذي نفسي بيده لا يسألوني خطةً يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها}رواه البخاري عن المسور بن مخرمة.
لذلك لا نستغرب إن وافقت حماس على بعض المقترحات، أوقبلت أخرى لشكليتها، وعدم تأثيرها على المستقبل الفلسطيني، قد تحقن دماء، أوتعطل مشروعا استعماريا يعمى عنه المفاوضون، كما عمي مشركو قريش عن بند رد المؤمنين الجدد إلى مكة، وإبقاء مغادري المدينة في مكة.
سلوك جلب نفعا، ولم يَبِعْ قضية، سَحَلَ وجه ترامب المختال بِخُيَلاَئه الزائفة، فَحَرِيٌّ أن يكون موضوع دراسات جامعية أكاديمية، وما ذاك إلا بتسديد الرمية الكَلِمِيَّةِ من الله، {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ}الأنفال/17.
إن السياسة فنّ لا يمارسه إلا المُحَنَّكُون، المُمَحَّصُون بالتجربة والابتلاءات، وحسن التوكل على الله الجالب للتوفيق الرباني، ولعله أمارة على سبق الصدق والإخلاص، لأن العلم بهما مسبقا غير ممكن، والنتائج ومجريات الميدان هي دلالاتهما، لكن الإعلام المعادي، وأبواق السلاطين، وصفوها بالاستسلام، بحصص قنواتهم، وحبر أقلامهم.
فليخش الذين لو وقفوا ضد التسديد الرباني أن تصيبهم فتنة، أويصيبهم منقلب أليم، فليتقوا الله، وليقولوا قولا سديدا.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم