ضحايا العلم بدون أدب

الأخلاق قيمة مقدسة على هرم الحياة.
لا علم بدون أدب، ولا أدب بدون علم.
الأدب زينة العلم، والعلم طريقه.
العلم زينة، والأدب موطنها، وحصادها، وحارسها.
أستمع النبيَّ ﷺ لعتبة بن ربيعة، ولم يرد عليه حتى انتهى، تأدبا رغم كفره، ثم زيَّن إجابته بالقرآن لا بالشنآن.
كلما اقترب عهد العالم من زمن الصحبة أوالنبوة حصل له من العلم فضل وقرب من الصواب، وكلما ابتعد اغترافه من معينهما فمتوقف على جهده في التعلم، وهكذا سائر أهل العلم إلى زماننا.
فخلف بيننا خَلْفٌ أضاعوا الأدب واتبعوا الجهالات، حتى طُرح في مسالخها ضحيتان:
1/ضحايا منتحلي مظاهر التدين المطوياتي الشكلي، الاجتزائي، دون أدب.
2/علماء لا يُرَاعى نَصَبُ تعلمهم.
منابع التدين المغشوش صاغت طبيعة هوياتية، وبَثَّتْ عدوى وبائية، بتأثيرين:
1/تصنيف الاهتمام التديني بلا علم.
2/تحطيم القدوات كقيمة إشراقية ثابتة ليست للتغيير.
البناء العلمي والأخلاقي لم يهمل التراتبية السُّلَّمِيَّة في ميدانهما، ليعرف كُلٌّ قدر نفسه بحضرة الأفضل.
نشأت بيننا أحوال (هم رجال ونحن رجال)، بتطاول المفضول على الفاضل، والتغافل عن (إذا جاءت من هؤلاء فعلى الرأس والعين)، باحترام الأعلم.
وَضْعٌ ينذر بتعفن أخلاقي جاهلي من قارئ مطوية يحسبها الملف العلمي كله، اختفاءً وراء عجز الصبر على الأسفار والمصادر والأمهات المطولات، بمحتوياتها، وأدواتها.
لم يتأسس العلم على اختبار الجاهل للعالم، فمحل القدوة والاقتداء ليس الاتجاهَ أوالهوى، وإنما هو:
1/اتباع اجتهادهم في تحصيل العلم.
2/اتباع التخصص، وتنوع الاستنباط.
لا أحد أجبر الناس على الاقتداء بنفسه، وإنما يؤخذ كل اختصاص عن حامليه.
أما إلغاء علوم المخالفين، فتجهيل للنفس والناس، فلا يَتْرُك الأَثَرِيُّ علم الأشعري في فروع أخرى، والعكس، فبعض السلف قبلوا النقل من بعض صالحي الشيعة.
تلقينا فنونا علمية من غير المسلمين، فأخذها من المسلمين أولى.
ليت الإشكال توقف عند المتكافئين، لكنه نزل إلى حضيض المتطاولين، ليقتلوا فكرَ وعلمَ وأخلاقَ الأمَّة.
كان العالِمُ يمثل رمزية مبهرة، لعلة فارق تحصيل عجزت عن جلبها حديثا.
كلما انبرى عالِمٌ في مسألة، تأليفا، أوإعلاما، سَطا ضدَّه تشنيعُ عاجزين أمام علمه، ولو أجمعوا أمرهم وشركاءَهم.
فلا عالِم حاز موافقة الجميع، لكن لا يُمنحُ الدَّهماءُ امتحانَ نقله أواجتهاده، ولا شتمَه، وله استدلال، صحيح أوخطأ.
فالإنصاف يقضي:
1/بالتروي في تلقي الأخبار المنتقاة مع سرعتها بالمكتوب والصورة والفيديو.
2/بالتعلم، قبل مباشرة مناقشة العالم.
3/بمواكبة التطورات الفكرية والمنهجية.
فليس من الأدب والأخلاق العلمية أن نسمع أونقرأ نفي توريث النبي ﷺ طريقةَ الحكم، أودستورا، ليتجاسر على ناقله تائهون متحاملون، ينعتونه بالضلال والكذب، وهم مُعْدَمُو الباع في كيفية صياغة الدساتير، وطريقة نقل الحكم، ومنزلة المنهاج والدستور بالنسبة للوحيين، مصدريةً أوتبعيةً أومساواةً.
العلماء ضحايا تجاهل الحكومات، وتطاول رعاع، يُعَطِلُون ترقب الآفاق في السير نحو التمكين الحضاري.
أستأذن سادتي العلماء في نصحهم بتجنب ما يثير ضدهم العَوَامّ الذين لا يرقبون فيهم أدبا ولا احتراما، بتفاصيل لا يكون ترك الكلام عنها بشكل عابر مفسدة، بل ضرره أرجح، إلا إذا سُطِّر في مؤلَّفٍ واسعٍ واضحِ الحجة والبيان، وليتذكروا قول عبدالله بن مسعود رضي الله عنه {ما أنت بمحَدِّثٍ قَومًا حديثًا لا تبلُغُه عُقولُهم إلَّا كان لبَعضِهم فِتنةً}رواه مسلم والبيهقي.
فإعلاميون كثر يتعمدون مراوغة ضيف الحصة لإمساكه من شبهة كلامه، فيشتهر ضعفاء العقول الجهلة بثوراتهم عليه.
والمتصيِدون يفتتنون ويَفْتِنُون، يَضِلُّون ويُضِلُّون، حقدا وتعصبا.
فليحيطوا أحاديثهم الشفهية بالمحكم حتى لا يستغله الذين في قلوبهم زيغ، فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم