طوفان الأقصى ومصير الذمم

تخطّى طوفان الأقصى نفضَ غبار الهوان، إلى اختبار الذمم.
أبطاله حَدَّثوا أنفسهم بالجهاد، والشهادة في سبيل الله، بالإعداد التربوي والتكويني والمالي والمادي والسياسي، صناعةً للسلاح وجمعًا، حفرًا للأنفاق وبناءً، {مَن ماتَ ولَمْ يَغْزُ، ولَمْ يُحَدِّثْ به نَفْسَهُ، ماتَ علَى شُعْبَةٍ مِن نِفاقٍ.}رواه مسلم عن أبي هريرة.
فتحديث النفس بهما تبرئة للذمة.
بَرَّأ الصحابة ذِمَمهم بالجهاد، ومن أعْوَزَه الكُراع والسّلاح، تبرَّأ بالإلحاح الصادق، لعسر الوسيلة {لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(91)وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ(92)}التوبة.
تبرئة الذّمّة طلبٌ للمعالي، وتَسَلُّقٌ للهِمم، وإنجاءٌ من العتاب، بالتواجد بين صفوف المقاتلين المقاومين، والمساندة المدنية، حتى الكبير، أوالمقعد بمرض أوعجز، لو صحَّ أوعقل لشهد المراتب الأولى.
فَذِمَمُنا صنفان:
1/البريئة:
باذلة المال، مُحركةُ الجمعيات، مُفَعِّلة المحافل الدولية، مستنهِضةُ الشعوب، ناطقةٌ بإيمان، فاضحةٌ بُعد الحكام عربًا وعجمًا عن تمثيل ضميرها الحيّ، إلا قليلا منهم.
السُّفُنُ المُكَسِّرة للحصار المضروب على شعبنا، حتى لو صُدَّت ثم عادت من حيث أتت، فمَحْضَنها قوله ﷺ {إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذلكَ، فمَن هَمَّ بحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها، كَتَبَها اللَّهُ له عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً، فإنْ هو هَمَّ بها فَعَمِلَها، كَتَبَها اللَّهُ له عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ، إلى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، إلى أضْعافٍ كَثِيرَةٍ}رواه البخاري ومسلم عن عبدالله بن عباس.
لَيُّ شوكة العدو، تَحَدِّي حلفائه الغربيين والشرقيين.
انضمام الشرفاء إلى المواجهات القضائية كجنوب إفريقيا.
الكتابة، الحثّ، التوعية، الدعاء، رجاء انتصار القسام وسرايا القدس، وذلك أضعف الإيمان.
2/الذّمم المُدَانة:
طوفان الأقصى حركة بشرية جهادية اجتهادية، قد تصيب المكان والزمان والعدد والعدة، وقد تجانبها أوبعضَها، لكنَّ وَلاَء الأُخُوة العقدية يقضي بالتأييد والمؤازرة، وتَلَبُّسِها، لانطلاق صحوة من سُباتٍ فاق سبعا وسبعين سنة.
لكنَّ ذمما كثيرة أصبحت في حكم المُدَان دينًا وقضاءً وواقعًا ومجتمعًا وتاريخًا.
منها المُتَمَعِّض من الطوفان لأنه سَيَقُضُّ مضاجعَ أدْمَنَت إغفال القضية، ووضعَها في حِجر الاغتصاب والاستبداد العالمي المُتنكر في ثوب الحريات والديمقراطيات وحقوق الإنسان والمعاني الحقيقية خيالا، الزائفة ميدانا وسياسة.
فَمُغْلِقٌ أبوابَ تمرير السلاح، والغذاء، والدواء، وعلاج الجرحى، وإسعاف المرضى.
ومُصْطَفٌّ مع الاحتلال بإمداد مؤنته.
ومنافقٌ يُرْضِخُ الجناح السياسي للمقاومة بالضغط، لتوقيع اتفاقيات الخزي والعار.
وأتباع سلاطين بَرَوْا أنفسَهم أقلاما، لتلطيخه بمداد الطعن، نيابةً عنهم وتفويضًا منهم.
أشِدَّاءُ على المؤمنين رُحماءُ بالكافرين.
تبرئةُ الذمة مَعْيَرَةٌ مخزية لأنظمة لو غارت على أرضنا وعرضنا لساقت بوارجها، وطائراتها، ودباباتها، بعساكرها، نحو كيان ثبت خَوَرُه قُبالة سلاح بسيط لفصيل حرّ، واضطرابُه مع أسطول الصمود، ولَفَرَّ كَالرُّوم من تَبُوك، لكنها آثرت إدانة ذممها، امتناعا عن تنغيص النَّوْمَات وقطع تُخْمَات الأكل والشرب والبِعَالِ.
فلتبرأ الذمم، ليُؤجِّل العتابَ من ناصب الأبطالَ العِداءَ وتَصَيُّدَ الهَفوات، إلى ما بعد وضع الحربِ أوزارَها، ليفرح مع أنصار الحق، بالشَّدِّ على أيدي ضمائر، عزاؤها النيابةُ عن أمة مهانة مقهورة، واستبطاءُ كيانات جبانة من محتل أمكن دحره بسهولة لو صدقت النيات، وأجمعت سيرَها نحو تحرير الأقصى.
سَيَخُطُّ قلم الأحداث أن أحرارا سلَّموا أرواحهم للبحر وتحدَّوْا هيجانه، لمواساة الجياع والعريانين، وعبيدُ العروش في سكراتهم يعمهون.
سَيَصُفُّ التاريخُ أسفارا تنطق بالحق، فالمُزَحْزَحُ عن الإدانة فائز سعيد، والواقع فيها شقيٌّ مُساقٌ إلى مصير يوم القيامة.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم