عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما{لَمَّا حُضِرَ النبيُّ ﷺ، وفي البَيْتِ رِجَالٌ فيهم عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، قالَ: هَلُمَّ أكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، قالَ عُمَرُ: إنَّ النبيَّ ﷺ غَلَبَهُ الوَجَعُ وعِنْدَكُمُ القُرْآنُ فَحَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ، واخْتَلَفَ أهْلُ البَيْتِ واخْتَصَمُوا، فَمِنْهُمْ مَن يقولُ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ رَسولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، ومِنْهُمْ مَن يقولُ ما قالَ عُمَرُ، فَلَمَّا أكْثَرُوا اللَّغَطَ والِاخْتِلَافَ عِنْدَ النبيِّ ﷺ، قالَ: قُومُوا عَنِّي. قالَ عُبَيْدُ اللَّهِ، فَكانَ ابنُ عَبَّاسٍ يقولُ: إنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ ما حَالَ بيْنَ رَسولِ اللَّهِ ﷺ وبيْنَ أنْ يَكْتُبَ لهمْ ذلكَ الكِتَابَ مِنَ اخْتِلَافِهِمْ ولَغَطِهِمْ}رواه البخاري واللفظ له ومسلم.
بعيدا عن التأويل والتخمين، الخبر دليل على:
1/وفاته ﷺ مصيبة وقعت على الأمة، ولو كان بيننا لصلح حالنا، وقد بين الله تعالى في كتابه أن الموت مصيبة، {فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ}المائدة/106.
2/على فرض كون الكتاب خاصا باستخلافه، فإن تراجعه دليل على تركه طريقة الاستخلاف وحكم الدولة للناس بعده، لأن:
١)القرآن والسنة تناولا مبادئ الحكم وقيمه وقواعده وأسسه الكبرى، كالشورى، والعدل، والمساواة، وطاعة الحاكم بالمعروف، والردّ إلى أولي العلم حال الاختلاف، كقواعد يقاس عليها في التطبيق حسب مناسبة كل وقت، وعرف، وبيئة، وجغرافيا، وعقليات، وذهنيات، وعلوم، ومعارف.
٢)تعيين الحاكم يخضع لأساليب متعددة، كطريقة الخلفاء الراشدين، {عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي}رواه أحمد وأبوداود، عن العرباض بن سارية.
كشورى سقيفة بني ساعدة، اقتراح أبي بكر عمرَ، حصر عمرَ الحكم في أهل الشورى الستة، الانتخابات الشعبية العامة، استخراج الحاكم من البرلمان المنتخب أوالمعين، العهد لأهل الحل والعقد المنتقين، لتطور الزمان بما سبق أعلاه، بشرط جلبها منافع العدل، ودرئها مفاسد الاستبداد، وحفظها أمن الناس، ومعاشهم، وتفاصيلها مصالح مرسلة، لمرونة الشريعة المراعية للاجتهاد القائم على المصادر الأصلية، والتبعية، المتفق والمختلف فيها، المستقاة من الوحيين.
3/لم يترك النبي ﷺ دستورا بالمصطلح المعاصر، وإن اعتُرض على الشيخ محمد الحسن ولد الددو، فيجب العلم أن:
أ)المصطلحات تتغير بالتطور المعرفي والثقافي، تبعا لما أسلفت، فما أملاه بُعَيْد هجرته وثيقة، ويسمى دستورا بالمصطلح المعاصر.
ب)الدستور:
١)ليس فيه بالضرورة {قال الله، قال الرسول ﷺ}، لأنه زبدة القواعد القانونية المستخلصة من مصادرنا التشريعية.
٢)ليس وحيا، بل إنجاز إنساني، يمكن تحديثه حسب الضرورات وأدواتها، وإلا استنصصنا بقول الله والرسول ﷺ لدراسة الميكانيك والهندسة والطب والكهرباء وغيرها وهو مطلب متعذر.
٣)ليس هو الكتاب والسنة، فذلك يزرى بقدرهما، ويهينهما، ويحطّ من قيمتهما، لأنهما مصدراه، لا يساويهما، ولا يعلوهما، هو نتاج تفكير بشري، يعتريه الصواب والخطأ، يتغير للضرورة، وتلاقح الأفكار المتجددة المُحَدَّثَةِ تحت قواعدهما، فالصياغات الاجتهادية لا تصلح لجميع الأوقات، ومطابقتهما للدستور والمنهج إلصاق الصواب والخطأ بهما.
فكلٌّ يضبط منهجية حياته بقيمهما، تُحَرَّرُ كقواعد، ولو كانا دستورا ما كان لطاعة الحاكم بالمعروف معنى وهو بشر يصيب ويخطئ.
فلنتزود بالعلوم القانونية عوض التشنيع على عالم لم تمنحه حصة إعلامية الوقت الكافي لبيان كلامه بالمحكم الذي تحوَّل إلى متشابه، وهذا ما أعيبه على بعض سادتنا العلماء، فأحاديثهم المُقْتَضَبَةُ يَتَصَيَّدُها الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه، ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله.
فللمتحامل على عالم، أومفكر، أومثقف، التروى، والمراجعة، والبحث، والتعلم، ليعرف يقينا أوظنا، صحةَ أوخطأَ كلامه، قطعا أواحتمالا، أما الشتم والنعت، المضببان بالجهل المركب، والعلم المجتزأ المُدَّعَى، بخلفية وبائية، فضيفان لصاحبهما مزيدَ ازدراءٍ، وفضحٍ أمام جبل راسٍٍ في العلم والدراية والفكر والثقافة.
Tags:
ثقافة
