المولد النبوي وحقيقة الاتباع.

مرّ المولد النبوي:
1/ بالذكر، وقراءة الشمائل، والتبرك به، والتوسعة على العيال، وإشعالِ الشموع، وتفجير المفرقعات، وأكل ملذات أشربة وفاكهة ولحم مما يشتهون، والأشكال والمظاهر والرسوم، واغتنامها في تكريم حافظي القرآن والحديث، نتمنى توسيعها إلى مجالات أخرى، لربطها بالدين والمحافل الإسلامية، تجنُّبًا لعلمانية حياتية، أوتقوقع في أحسن الأحوال، وابتعادا عن ضيق الأفق المنهاجي والدعوي.
2/ والامتناع عنها وتبديعها، رغم أن لها دورا مؤثرا في ربط المسلم بنبيه ﷺ، لو أنها حُجِزَتْ عند محل العادة، وحضر أصل محبته ﷺ، وغابت الحقيقة والاتباع.
إن ذكرى مولده ﷺ نقطة:
1/ استمرارِ عهود العارفين، والمقتدين، والمحبين المبتغين قربات عند الله وصلوات الرسول ﷺ، مع المبايعة العقدية، والروحية، والمعنوية، لتتوسع إلى اتباع آفاقي.
2/ أوتَحَوُّلِ الجافين نحو الاصطباغ بالمحبة الحميمية، معه ﷺ.
يُسْأل:
1/ المحتفلون، عن تأثيره في السنة كلها، بكل المعالم، اتباعا، واقتداء، كي لا تنسيهم التُّخْمات، وصَرْعات هزات الاستحضارات الروحية، أن المُحْتَفَى به هو نبي كل الأوقات.
2/ ومانعوه ومُبَدِعوه، عن اكتفاء علائقي به ﷺ، ودواعي المنع، بين مجرد ورع، أونتاج جفاء مترسب يُعَسِّرُ العودة العاطفية السلسة إلى التفاعل الوجداني معه ﷺ وسيرته، تشريعا، وخَلْقا، وخُلُقا.
نبحث عند الفريقين:
1/ عمقَ تفكيرهم في المقاصد النبوية الشريفة للأمة، رغم أن الطائفة الثانية تمنع تسمية الفرعيات جزئيات، أوتوافه، وهذا لا مُمارَاةَ فيه، لكنه ﷺ حرص على الجزئي الفردي والأسري، وعلى الكلي الاجتماعي والأممي.
2/ فعالية الاهتمام بالفرعيات في التحصين الروحي، للتقدم الآفاقي نحو إكساب الأمة المنعة المرجوة منها حضاريا، كما ابتغت:
١) الأولى تحصين النفس ضد الجفاء والنسيان، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: {لا يُؤْمِنُ أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من ولدِهِ ، ووالدِهِ ، والناسِ أجمعينَ} أخرجه البخاري ومسلم.
٢) الثانية تحصين الاتباع ضد الابتداع والشعوذة والخرافة، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: {من عمل عملًا ليس عليه أمرِنا فهو رَدٌّ} أخرجه البخاري ومسلم.
3/ حقيقة الأَوْلى بالاتباع بين حرَّاس الثغور تمكينا لمراده ﷺ، أوهؤلاء.
4/ حقيقة اتباع تشريعه ﷺ في عادات المسكن والمأكل والمشرب، وأحكام الأموال والجوار والمهن بإدارياتها وتقاريرها الواقعية والمُزَوَّرَة والخصومات بين التعافي أوالانتقام، {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} النساء/65، أم هي مجرد إيمان وإسلام تذكاري، ولائكية في السلوكات؟
5/ تذكير المانعين بضيق مساحة الحرام، والمبيحين بضوابط الحلال.
6/ تجديد التعاهد مع النبي ﷺ بعد حفلة المسجد، أوطعام البيت وشرابه، أوحلقة الحضرة الطرقية، أوالامتناع المتورّع، على إحياء سنته، واستئناف الاستخلاف الحضاري بين الأمم ليباهيها بنا.
7/ حقيقة انتشاء فريق بسرور الحفل لصون العادة إن لم تؤل إلى عبادة في وجه الآخرين.
8/ والفريق الثاني بانتصارات في ميدان اقتناص الموالين، وإنقاص عدد الخصوم كل سنة بملاحظة انخفاض مشتريات متعلقات الذكرى.
إن النبي ﷺ نهى عن البِدَع والتطرف، لا لذاتهما، وإنما وقوفا عند حدود التشريع الرباني، ومرونته ويسره، لتبلغ الأمة نقلة حضارية تُوَقِّعُ على قيم دينها صافيا مشرقا بعيد الضبابية عن تنفير غيرنا، للحفاظ على لمعان الصورة البراقة للإسلام في عيون البشرية كلها.
لقد عاهد ﷺ ربه على أن يظهر دينه، {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} الصف/09.

فمن لم يحزنه تخلف الأمة، ووهنها، وفقرها، وجوعها، ومرضها، ولم يستنهضه، كاستنهاض النبي ﷺ لا يَدَّعِيَنَّ علينا، حبَّه، أوالهُيَام فيه، أواتِّباعه، لأنها مجرد مظاهر ورياءات، فحبه عزم على استعادة أمجاد ضَيَّعنا ميراثها. 

الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم