يأنف الرجل المبيت على المظلومية ولو بحرمان لذة الأكل والشرب والنوم، حتى ينتقم مِمَّا حلّ به، لا يثنيه مسعى، ولا وساطة، ولا نصح، ولا صلح، يطعن عرض نفسه وشرفها إن لم ينصرها، حتى خُصَّ العربي بحمَّال ثأر.
ثم أخذ في الشريعة معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحل بالدولة والمسلمين، بصيغة الحسبة الجماعية.
وكان في أحيان كثيرة يستصحب القوة والسلاح، لأنهما يدفعان الباطل وينصران الحق.
الإباء يدعمه سلاح يحمي بقوته عدل الحق، ويدرأ ظلم الباطل.
كان للنبي ﷺ إباء مع الحق، وتشبث به، وعدم مساومة فيه.
كان للثلاثة المخلفين إباء عظيم مع النبي ﷺ، رغم الاستدراجات:
1/ البشرية، كإغراء ملك غسان لكعب بن مالك رضي الله عنه، لكنه أبى الاستجابة.
2/ أوالطبيعية كإباء بعض الماكثين في المسجد والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، يوم خرج منه آخرون ابتغاء سلع مجلوبة.
طال احتلال الأرض المقدسية، وعمّر استيطان الغرباء لها، اعتبروها بلادهم، وَطَّنوا فيها خرافاتهم، طمسوا شعائرها، وقُدسها، فانتهض طوفان الأقصى بشموخ وإباء، وقال "كفى"، مبتغيا إباء الكرامة، والشرف، والكبرياء، ورفع شعار ودثار الذل والهوان والخنوع والاسترقاق الغربي، واستبداده، استنجدته العزة واستفزته، وقالت {واطوفاناه}، فأبى تجاهلها، ولبى نداءها، أبى التفرج على الأرض تغتصب، ويُسطى عليها، داس كل مواثيق هِبَتِها لغير أهلها، كوعد بلفور، واتفاقية العار بأوسلو، التي يُهلل لها أتباع غافلون لأولياء خانعين، وهي لم تدرأ مداهمات الضفة، رغم ذاتية حكمها، لكنه يُمنع من دخول غزة وهي غير معترفة بها، إلا قصفا، لفارق النخوة الأبية بين رفض الغزيين، ورضى سلطة الضفة.
شموخ تسامى عن طفيليات القاذفين، والمغررين، والمغرضين، من بني دينه وجلدته أكثر من أعدائه، كالجبل يَسْمُق عن مشاكسات الحصى في سفحه.
جسَّد الزهد في الدنيا وعدم خشية الموت، وحب الدنيا وكراهية الموت.
ورث عن الجبابرة المضي في سبيل القصاص بدم ثائر يغلي في العروق لا تلويه ألسنة حداد أشِحَّةً على الحرية.
غزيون يحتضنون قطاعهم، بدمائهم وجوعهم، ملتحفين إباءهم المستغرق للزمان، والمستوعب للمكان.
الطوفان ينادي: يا قومنا كِرُّوا إباءكم، فمن توالونهم عجم، حياتهم تبرع لأعراضهم وشرفهم بينهم، فليس لكم منهم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} المائدة/1.
كان الإباء في جاهلية أجدادكم منتصبًا، فأبوجهل أبى بالحق اقتحام بيت النبي ﷺ ليلة مهاجره، خشية أن يقول الناس: (هتك ستر بنات محمد)، وبالباطل، أبى التراجع عن حرب بدر وأبوسفيان {زعيم قريش} يطمئنهم على قافلته، وأنتم ترون أطفالَ وشيوخَ ونساءَ وشبابَ بني جلدتكم يُقتلون، يُشردون، تُقطع أجسادهم، تُسلخ لحومهم، تُهدم بيوتهم، تُفجَّر مشافيهم، ولا يَنْبِض لكم عرق غيرةً على بني أصولكم.
القذائف تتهاطل عليهم من السماء، والقصف من الأرض، والتمويل والتموين من الجوار، وضغط التفاوض من الوسيط، والتقى سلاح العدى على أمر قد دُبِّر، ما يردهم ذلك عن دينهم ووطنهم شبرا، ولا يقودهم إلى استسلام.
شموخٌ أبِيٌّ، يقضي بنصر الأرض والعرض، أوالموت دونهما استشهادا، كلما لمَّح العدو نحو احتلال المزيد، أوالتقدم، أوجب له الطوفان ضرب الرقاب، لنسمع أخبار جرحاه وقتلاه تعجز عنهم مروحيات الإجلاء.
فليعتبر قومنا من توكل الطوفان على الله، ثم اعتماده على اعتماد الأسباب، وعدم انهزامه رغم فارق القوة الكبير لأنه إباءُ وجودِ أُمَّة.
أبى الطوفان بشموخ النخوة ارتداء الكوفية والعقال دون حجز الظلم، فمن تَزَيَّى بشيء ليس فيه فقد شانه.
قال الشاعر "بترارك":
استثار الغضب حمية الأبطال & فحملوا السلاح وسعوا للنزال.
جمعت أرض الأجداد أيادي الرجال & فبلادنا نابضة ولن نكف عن القتال.
Tags:
مجتمع
