مرَّ المولد النبوي، بين: محتفلين: معتدلين ومُغالين، وممتنعين: وسطيِّين ومُجافين، وخروجٍ تائه بغير مقصود واضح، دون سخاء أعماق الذكرى بملامح الآفاق.
تجرُّ المواسم وراءها، أوتدفع أمامها الاهتمامات الفرعية، بصخب متعصب، إلهائي، ومعارك هامشية، طائفيا، وفرديا، دون علمية هادئة.
ليتها:
1/ عابرة بحوار مرن، يرافق أبدية الاختلاف.
2/ أومقتصرة على أهلها، ليسود الأدب، دون رعاع وجهلة منتصبين كوزغ يذكي شرر الفتن.
3/ منبهةً المتطاولين إلى محركي أحجار الشطرنج:
١) لسحب البساط من تحت أرجلهم.
٢) لتفويت فرصة تسيير العصف الذهني.
التصدر لفروع بهذه الأساليب غفلة وقصور، محدود المدارك، ينخر التفكير الإسلامي العريض بضيق التخلف.
فالصحابة المختلفون في صلاة العصر تعجيلا أوتأجيلا، لم يَتَعَاجَنُوهَا، لأنها عرضت في طريق مقصد كبير.
اختزال المقاصد الكبرى للأمة في فرعيات، توهين شديد لها، وتحريف للمهمة القرآنية المنوطة بها.
الروح التصارعية وراء ستائر مُهَيِّجة، لإنهاك القوى، واستنزاف الجهد عن خوض الخطوب المقصودة لَحَرِيٌّ وصفها بالضلال.
الغُلُوُّ في الفرعيات إيغال في نفق مظلم، يُعَمِي عن الكليات الكبرى، صلاحا لتكميله، أوفسادا لدرئه.
عِلَّتُه هَوَشٌ جَهَالَتِيٌّ، وجفاءُ عقيدةٍ، وروحٍ، وعلمٍ، ووعيٍ، وولوغُ مجارٍ متعفنة، دون تحديد المقاصد المرحلية منها والغائية، برؤية حادَّة وتخطيط صارم، للالتزام بالمسارات القائدة إليها، وإلا انحرف السير، كرُبَّانَيْ طائرتين:
1/ غاية أحدهما مجرد الطيران.
2/ وثانيهما ناظر إلى مقصدها، ليضبط مسارها المرسوم إلكترونيا، وإلا جنحت وسقطت.
الأمة أدارت ظهرها لتحديات كبيرة، وجب عليها الالتفات إليها، وتحديق النظر نحو آفاقها المستقبلية، لتحقيق:
1/ التمكينِ لدينها، سواء بسيادته المطلقة، أوشراكته في تحديد مصير الإنسان والكون والحياة، لأن الله لم يهبه لممتطي التخلف.
2/ استخلافِها الموعود، غايةً، ووسيلةً إسلاميةً، وتجسيد الشروط القرآنية لنجاحه.
3/ رحمة البشرية، وهدايتها، لأن التحارب الفرعي يُشَوّشُ عليها بصيرتها نحو ديننا وسلوكاتنا، ويُضَبِّبُ مصيرها معنا.
4/ ارتقاء التفكير إلى مستوى قيمة وتلاحم الإنسانية، يُرى في مرونة الاحتكاك البشري.
5/ إحلالِ المظاهر الحضارية الإسلامية، وأهمها:
١) افتكاك المنعة بزمام القوة: سلاحا، ودواءً، وغذاءً، فالحضارة تحميها القوة الشاملة.
٢) انتشار القيم، وأعظمها قيمة الأخلاق.
٣) هيبة وإباء السيادة الإسلامية.
هذه مجالات حوار ينبغي تنظيمه ولو بِحِدِّيَّةٍ، لأنه من مشتركاتنا، رغم إعاقته بالجهل، والفقر، والاستعمار، لكن الإرادة الفردية والجماعية والسياسية تستطيع تحييدها.
من مجسداته:
1/ عمل شفهي، وكتابي، باللقاءات، والخطب، والدروس، والندوات، والمحاضرات، والحفلات، والتظاهرات.
2/ تنظيم مؤسسات التعليم لقاءات تناقش أهداف التربية والتعليم ونتائجها، لتخريج نخبٍ علمية، موهوبة عقلا ومعارفيا، عوض الاقتصار على الإداريات.
3/ ترقية الصروح المسجدية الكبرى في أمصارنا من اقتصار دروسها وخطبها على المألوف، إلى هندسة مستقبل الأمة، وتصميم حضاري كبير، لتحريرها من التأخر في مجالات كثيرة، بتصحيح عقلي وشرعي، وصياغة مستوى وطني شرعيا وثقافيا وفكريا وعلميا، ونحن في عصر الاستدلال، وزمن التفكير فيما هو أكبر من تحجيم حريات الناس في جزئية مجهرية، اكتسابا للنقلة العقلية والذهنية والحضارية، فالدهر مساحة زمنية للتمكن.
4/ تحريك النخب، في المستويات الكثيرة، لإخراجها من الحياد أمام الفكر المغشوس، ومعها الحكومات.
للتدريب المتدرج على الوصول إلى رفع مستويات اهتماماتنا وانشغالاتنا.
فتختفي مظاهر التخلف العقلي والفكري والذهني والضمائري.
ويتغلب النظر المقصدي الحضاري الكبير للأمة.
وترتقي النقاشات إلى الموضوعات الخادمة له، ولعلها تحقق قفزة نحو تأليف رسائل أكاديمية بعناوين متعددة تسير في الإطار نفسه، لتتلاقح الأفكار فتؤول إلى المخابر الميدانية لبلوغ السيادة العالمية.
إن لم يَخِزْنا ضميرنا الإيماني، لاستنهاض ذاتي، فَلِيَسْتَفِزَّنَا مكر غيرنا ضدنا، لِيُعَمِقوا مفاسدنا، ويوهنوا منافعنا، لنعمل على ملء المجال الفارغ، فالمعسكر الكسول يكثر فيه الشغب، وأوراق الجدل الموسمي تُسحب نحو دوامة التاريخ، والزمن يمضي، والفرص لا تنتظر.
Tags:
فكر
