قراءة في اغتيال تشارلي كيرك

قد لا يُنتبه إلى عبر وعظات ودروس وتداعيات بعض القضايا إلا بأحداث حسنة أوسيئة، عادية أومفاجئة، لقوة تأثير عصفها الذهني، ولعل منها حادث اغتيال الناشط السياسي والكاتب والإعلامي الأمريكي اليميني تشارلي كيرك.
ومع سببية ترديده لسردية الاحتلال حول غزة، وسببية استنكاره تجويع الكيانِ أهلَها، وسببية انتقاده سيطرتَه على الواقع الأمريكي بالخصوص، في ازدواجية واضحة، فإن الفرد لا ينبغي أن تقتصر متابعته على حرفيةِ حدثٍ أظن أن يُلفت الانتباه إلى:
1/ الحدث حلقة في مسلسل الجريمة السياسية العالمية، والسياسة مناورات وخطابات متعددة الدواعي والأغراض والولاءات، لكن قد لا تنجي صاحبها، من يريدك ضد خصمه، لا يريدك ضده.
2/ هامش الحرية عند الغرب، توافقا أواعتراضا ممنوح، لأن المؤسسات الرسمية حائزة على الشرعية بانتخابات شفافة غالبا، ولا خشية على المنصب، لأنها ممثلة للشعب حقيقة، فَحَرِيٌّ أن يُترك حال الحرية كما هو، دون تضييق عليها في شتى المجالات، ومنها الرأي، الذي يعتبر جريمة في أنظمة عالم متخلف، تسطو على الحكم، بعيدا عن الشرعية الشعبية، ما يدفعها إلى التضييق على الحريات، للعلم المسبق بِنِدِيَّتِها لها، ولو كان انتقادا رياضيا.
3/ الموقف في الإسلام من الرأي ومواجهته أن يُرَد عليه برأي آخر فقط، إلا إذا تعدَّى أثره إلى الإضرار بقيم ومبادئ ومرتكزات الأمة، عكس طبيعة الموقف الغربي منه، بتعدية الرد الأدبي إلى المادي بالتصفية الجسدية.
4/ عندما يصل الصراع إلى التجاوز، فالعقوبة من اختصاص الحاكم، لا إلى الفوضى الفردية مثلما يقع غربيا.
5/ الحقد على المسلمين كامن في أعماق الغربيين، وانتقادهم للكيان يَصُبُّ في التمعض من غطرسته عليهم، لا تعاطفا مع مسلمين ضاعت منهم حضارة يرفض الغرب تجديد نهضتها، ولا يريدون خروج الكيان من الأرض المغتصبة، لأنه سيأوي إليهم وقد اكْتَوَوْا بعفنه دهرا، ولا حياء لهم من معايشته للفلسطينيين على أرضهم المختطفة.
6/ اللوبي سريع الفصل مع خصومه، تحذيرا من التجاوز، يسارا كان أوغيره، عكس أنظمتنا المكتفية بشجب المعتدين كدلالة على الوهن.
7/ تحضير بعيد لسلاح الاغتيال وتصويب قناص بدقة نحو جسد تشارلي كيرك، دليل على رسمية جهة الاغتيال، في رسالة مفادها عدم التسامح مع إضعاف تَحَكُّمِها في المشهد الأمريكي.
8/ انتقاد تشارلي لنفوذ الكيان رغم انتقاده المسلمين، صحوة ضد الوصايات، تنضم إلى الصحوات الإفريقية، كمؤشر على إنهاك غربي من عبئه دوليا، ينبغي مرافقة أنظمتنا لها.
وتبعا له أتوقع مزيدَ تأخيرِ وتريثِ مشاريع التطبيع الجديدة، خشية الاعتماد على علاقات هشة.
9/ للقضاء سيادة مؤسسية على الجميع باستقلالية، رغم تغلغل اللوبيات في دواليب الأنظمة الغربية ومنها مؤسسات الولايات المتحدة الأمريكية.
10/ بداية تفكك النظام الأمريكي، بشعبه ومجمعه الفيديرالي، ولعل نبوءة الأخ الدكتور سليم ڨلالة منذ حوالي أربعين سنة بسقوط أمريكا بدأت إرهاصات تجسيدها، فتحضير نائب رئيس قادم، فَعَّال في حملة ترامب، واغتياله، بتلك الأساليب، مؤشر على استنساخ تصفية الشخصيات كالرئيسين إبراهام لينكولن، وجون كينيدي بالمسرح والستار نفسيهما ليختفي الممثل عن أنظار المتفرجين، في انتظار مخرجات بداية محاكمة المتهم، صوريا أوحقيقيا، بمصداقية أوغيرها، فلعل أمريكا اكتوت بضبابية نتائج الاغتيالات السياسية.
كل هذه الأحداث في تقديري قد تصبح مُجَاذَبَاتٍ لتوظيفها كلٌّ حسب مصلحته، لتقوية مواقع الطرح والتفاوض والسيطرة والتعاطي السياسي والديبلوماسي، وإحكام لعبة التوازنات العالمية.
أظنها من الفرص المتاحة لاستغلال الارتباك العالمي، والتعامل مع المتناقضات، لقلب الوضع لصالحنا، والخروج من الهيمنات والوصايات الاستعمارية، فالتاريخ شاهد، والوقت يمضي، وقد لا يتيح فرصا أخرى، فهو ليس مساحةَ مزيدِ شجبٍ وتنديدٍ، وتأجيلِ الهَبَّة بما بقي من شهامة.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم