طوفان الأقصى والجمع العدواني

ككل مرة يحشد الاحتلال عُدته الضخمة متوعدا، ثم يَخِيبُ جارًّا موت جنوده بتعتيم إعلامي، دمار آلياته، خسارة أمواله، تقهقر اقتصاده، رعب قياداته، حمَّى أجسادهم من التكبير الجهادي.
تجييش الأيام الأخيرة لاحتلال مدينة غزة لن يختلف عن التجهيزات السابقة، رغم الدماء، والأشلاء، والأطلال، والتجريف، والسند الغربي.
هذه المرة يردهم {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ(173)، فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ(174)، إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(175)}آل عمران.
إنها الحَمِيَّة، أذن الله بها لحاضري المعركة، أما الغائبون، فإما الدعاء، وإما الإعانة بسكوت محمود.
أما التَّشفِي، وتمني الهزيمة، لينفسح مجال (ألم نقل لكم؟)، فعون للعدو، وجرم يَخشى منه قائله الأوزارَ.
أمتنا لن تُهزم، لأنها أفضل الأمم، وذلك من فضل النبي ﷺ على الأنبياء والرسل والناس، فلن تُهدر كرامة قوم فيهم محمد ﷺ، ولقد كنا نقرأ أن كثرة خصائصه ﷺ دليل على أفضليته.
قد يقول الغافل الجاهل، "ذلك نبي ومجاهدو غزة ليسوا أنبياء"، والإجابة: المجاهدون يرثون رسالات الأنبياء، والإباء من تركة الحبيب المصطفى ﷺ لمقاومة غزة، وإلا فلنتوقف عن سائر الشعائر والعبادات، تعالى الله.
إن هذا التجنيد قد يَحْتَرِق بكلمة من الله، بدعوة رجل صالح، بصدقة مجاهد، بصدق مقاوم، لأن الله لا يخذل معشرًا فيهم مخلص.
إن الله لن يضيع "حسبنا الله ونعم الوكيل"، التي تَصْدُق بها القلوب، وتلهج بها الألسن، وتُفَعِّلُها الجوارح.
خرج المسلمون يبتغون عير أبي سفيان، لكن الله صَيَّرها مَوقعة بدر، {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ}الأنفال/7، وجاءت قريش أشد قوة وآثارا، بِعُجرها وبُجرها، والرائي لحشدها يوقن بنصرها، ولم يقل أحد "استفززناهم، فلو أجَّلْنا حتى نستقوي"، ونَصرَ الله عباده، رغم الفارق الجليّ، القاضي حسابيا بانهزامهم السريع، لكن قوة التوكل، وشدة العلاقة بالله، وابتغاء التمكين للدين، واللجوء الملح بالدعاء، فتح الله به القلوب نحو ربها، الحاضرون في المعركة بيقينهم، وتوسلاتهم، {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ}الأنفال/9.
{اللَّهمَّ إنَّكَ إنْ تُهلِكْ هذهِ العِصابةَ مِن أهلِ الإسلامِ، فلا تُعْبَدُ في الأرضِ أبدًا}رواه مسلم عن عمر بن الخطاب.
والغائبون المعذورون برجائهم.
المشهد ينبغي رؤيته بنبرة موقن، لا بوَجَلِ مهزوز، بأنشودة:
هو الحق يحشد أجنادهُ & ويعتد للموقف الفاصلِ
فصُفُّوا الجحافلَ آسادَهُ & ودُكُّوا به دولة الباطلِ.
لا بِجَمْعِ العدوِ باطلَه، لأن منتهى المعركة بين الحق والباطل للحق، فأصحاب الجنة يريهم الله الفوز في الدنيا قبل الآخرة، ولا يفضحهم أمام عُصاته.
{لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ}الحشر/20.
قنوات إعلامية، ليس فيها واحدة، ذكرتنا بالمعاني الربانية المهيمنة على المشهد الإنساني، أما الحشود التي تَهْزُل عند المقبل على ربه مبتغيا فضل الشهادة، فتهويلٌ شيطانيٌّ ليُحزِن الذين آمنوا، وليس بضارّهم شيئا إلا بإذن الله.
إن المشتاق إلى الجنة لا يثني عزمَه المدرعاتُ المزمجرة، رغبته عند ربه فقط.
وكرامة الحق لا تتمكن إلا بتجبر الطاغوت.
النصر يؤتى على باطل قوي، لا ضعيف، كي لا يقال السيف يزرى بالعصا.
كلما اشتدت غطرسة العدو اقترب هزمه بنصر الله لعباده.
الظالمون يعتلون سدّات التجبر فيأخذهم الله دون إفلات، {أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ44، سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ45}القمر.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم