تَطَبَّعَتْ الأمة الإسلامية مع مَأْبِيَّاتٍ، تطاوع لها عباد بوهن الإيمان، وهزال الروح، بدواعٍ وشُبهٍ مختلفة، كالضرورة الموهومة، والتفتح، والعقد النفسية، والتعايش مع الأوضاع والبشر على اختلاف طبائعهم وأديانهم ومذاهبهم، والعلاقات الإنسانية، مما تُدَّعى مراعاتُه، وعدمُ خدشه أصل الإيمان والالتزام، والشخصيةِ الذاتية.
قال الدكتور عبدالعزيز الطريفي*
"وإنما نهي عن المخالطة للباطل، لأن القلوب تتشرب ما تسمع، فتستنكر أول مرة، ثم ينقص استنكارها حتى تألفه، فأمر الله بالهجر حتى لا تألفه القلوب"، فانقلبت قاعدة "الطبع يغلب التطبع"، إلى "غلبَ التطبعُ الطبعَ".
شباب وأطفال وضعهم جيل آباء فوق مسلخ الهوية الإسلامية فانتحل مُتَكَلَّفات غريبة استمرأها بتدرج.
ليتها مظاهر صورية تُغَضُّ عنها الأطراف، لكنها أتت على بنيان الفكر والوعي الإسلامي الأصيل، فحطمته، إلى أن ألغته أذهان الأمة من أرصدتها التاريخية والقيمية، فانخسف إلى قاع التطبيع مع المعصية وحتى السلوكات الصبيانية.
غُسِلت أدمغة أفرادِ وأسرِ ومجتمعاتِ الأمة لتتعايش مع المجون والقيم الغريبة كدُرْبَةٍ منزلة، ومُحَكَّمة في يومياتها.
من مظاهره:
1/ التنازل التدريجي عن الإباء العقائدي، والوعي الإسلامي، والتشريع الفقهي، لهول الغزو الفكري، وتسريب مستأنسات عاصية.
2/ تلبيات طفولية مدعومة بعقد نفسية تجاه الصرامة التربوية، والمناهج الأصيلة، بدعوى التطور، رغم أن الأصول غير معنية بالتغيير.
3/ الغرق في المطبات السياسية بدعوى المداهنة ومراعاة اعتبارات علائقية، ومواكبة الركاب العالمية.
4/ مسايرة كل مخالفات الفطرة السليمة، والعقل الصريح، والنقل الصحيح، لدى الفرد والأسرة والمجتمع والدولة، ليتساوى حضور وغياب الإسلام.
5/ الغضب الشديد على الناهي عن المنكر، لأن نهيه أصبح غير مألوف، بل مستهجن وغريب ومتخلف، لأن التطبيع أضحى من التقدم والازدهار والتفتح والتحضر الموهوم.
ربما لعموم البلوى به، ما خفف الخشية من مآله الواقعي الفاسد، وعاقبته الأخروية.
نتائج التطبيع مع المجون:
1/ استفراغ الكامن الروحي من القلوب، والتحول الحرفي للهوية، قال الدكتور عبدالعزيز الطريفي في كتاب الخراسانية شرح عقيدة الرازيَّيْن "كان العلم بالله واحدا، فكثرت المطامع والأهواء واستغرقت حتى تطبَّع الناس بها".
2/ الإتيان على دعوة الأنبياء والرسل بالقلع، وعسر عملية البناء الجديد على أسسهم الصحيحة.
3/ بذر غراس الهزال العلائقي مع الأصل، بالمفهوم المغالط للمعاصرة، لتهدم قيم الدين، والعرض.
4/ القفز بالأجيال إلى المجهول، لأن المُخَطِّطَ له يريدها بلا عناوين مستقبلية، حتى إذا أيقظتها الفطرة من سبات الانحراف، وجدت قساوة في عملية العودة إلى الأصل الذي باعده الزمن والتحول السيء، والخواء الروحي، لينقسم الآيبون إلى:
١/ ناجين صابرين على لأواء الأنفس والمجتمعات الملاصقة، والحيرة من الإجابات المحضَّرة عن الرحلة الغامضة ومسافة الإنابة.
٢/ متساقطين في الطريق، كل حسب سُمك الترسبات المجونية على القلوب، {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ}الحديد/16.
٣/ مُرسَلين إلى أجل مسمى، ومباغَتين بالموت.
5/ إحداث تجاذب قوي بين محاولات استرجاع الضائعين، لتوظيفهم في استرجاع أمجاد السيادة الحضارية، وإصرار الاستعمار على توظيفهم في دائرتهم الجديدة ضد أمتهم بالنيابة.
6/ الإسقاط في شُعب الكفر والشرك، (كما أن الطاعات شعب الإيمان والتوحيد)**.
ومع ذلك فإن البقاع العالمية التي تلذذت السباحة في برازخ المجون، وبلغت أعماقا لا نجاة فيها من التفسخ البشري، تنظر إلى كل الجوانب فلا ترى إلا عِوجًا، تريد الإصلاح بعد التفككِ وإنهاكِ الانحرفات، لاستعادة الذات، وإعادة النظر في التعامل مع الفطرة، واكتشاف عمق مصائبها نتيجة التخلي عنها، فلا ينبغي أن يستثني المسلمون أنفسهم منه، وإلا سيحدث عليهم تغلب أخلاقي، كما غُلبوا قبلها ماديا وحضاريا.
*(المغربية شرح العقيدة القيروانية).
**الطريفي، (عقيدة الرازيين).
