طوفان الأقصى وشبهة المآلات

لا تخلو حركة من إرهاصات ومآلات، وطوفان الأقصى ليس بمنأى عنها.
لمَّا فشلت محاولات الطعن فيه، وعجزت الاستدلالات المهونة لبطولته وإبائه، أثيرت بعدها الأحكام عليه بشبهة المآلات.
النظر إلى المآلات جميل، للتخطيط والوقاية، ليس للإقعاد، وقديما قالوا (المحاربون لا يستشيرون العرَّافين إلا فيما ندر، لأنه لا مجال للذهاب إلى قتال لو عرف المحارب في أية لحظة سيموت، إذ يفضل المحاربون دائما استقبال المعركة ومواجهة المجهول، أما المستقبل فقد خطه الله سبحانه، وأيًّا كان ما قدرت فهو لخير البشر).
ويُقدر بدءً بحرية مستقلة لا انتهاءً باستدراج واستخدام سِتَاريٍ، فالحكيم يقرأ الخطأ أوالصواب قبل عمق الفعل، والجاهل يقرأه بعد السعادة أوالحطام.
المآلات ليست النتائج، فلا يأتِيَنَّ إلينا من ينام دهرا، ثم يستيقظ على النتائج لِيَدَّعي اختبار المآل، لأنه استهداف، والنتائج وقائع، قد تنسجم، وقد تتخلف.
ولا يعدو اجتهادا يقدره أهل العلم المنسقين مع أهل الميدان المالكين للقوة ليكون أقرب إلى الصواب ظنا لا يقينا، ولا وحيا.
ولا بمعزل عن اقتباس قواعد القرآن والسنة.
هو تقدير الحركة وزمنها ومسافتها وثمنها وأزوادها، لا بعبع تخويف، {وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا} القصص/57، خاطبهم القرآن بهذا لتعظيمهم شأن المآل السيء، لأنه عصف أذهانهم، {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} العنكبوت/10، وتهوينهم مآل إعلاء كلمة الله، وتحرير الأوطان.
وليس بضربة حظ بل هو تدقيق علمي، يتنبأ حتى بقوة الآخر.
وليس خاصا بالقسام، فلو شاركهم إخوانهم المسلمون، بالعدة والرجال، لغيَّر الرعب معسكره، لكن وُجد مسلمون يُنَظّرون ضد إخوانهم، فاستقوى العدو، وسوّق للخوف بينهم بدلا عنه.
يُقدر واقعا وميدانا قريبا، بكمية الإمكانات الملموسة عند الشباب، لا بالخيال الغافل عن الموجود الحقيقي المادي.
أسرار الوضع الداخلي يستحيل تقديمها على طبق أمني خطير ليحكم لها المحللون أوعليها.
محلله يكون فاعلا ملامسا، يعدُّ الوسائل وكفاءتها، لا بأخبار إعلامية، فلا أحد يملك أسرار المقاومة عُدَّة وعتادًا، وقد حققت النتائج المبهرة رغم الفارق مقارنة بالقوى الكبرى المدعمة للعدو.
لا يُعترف به عندما يكون الهمّ مشتركا، لأن المُسَوِقين لبعبعه أنظمة باعت القضية، وأذاعت التثبيط بأبواق أتباعها.
هو وثيق الارتباط:
أ) بانقداح مقاصد الشريعة في ذهن العالم، لا هَوَسِ الجاهل، والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين شاهد.
ب) بالتهلكة الحقيقية، فالقرآن حذَّر منها ومن العواقب السيئة في الإقعاد، لا في الإقبال، عكس ما يُلَوِحُ به الاستدلال الأعمى.
أحيانا يكون الاندفاع لاسترداد الحق بإخلاص، أعظم من النظر في المآل، وقديما قالت الحكايات (عندما نريد شيئا، يتآمر الكون كله لكي لا يسمح بتحقيق حلمنا).
حال المتمسكين بشبهة المآلات كحال العدو، كلما أعد خطة لاحتلال منطقة إلا دحضها الله على سواعد القساميين، {وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ} الشورى/16، وما استلَّ المثبطون دليلا مشبوها إلا عرَّاه العلم.
لو كانت المآلات سيئة ما استطاعت المقاومة أسر الجنود كل مرة، والاحتفاظ بهم للمساومة، والعناية بصحتهم، ومأكلهم، ومشربهم، وأمنهم، ومنامهم بالليل والنهار، مساواة بالشعب الغزي.
القول يُوَجَّهُ إلى الحكومات، والمُطَوِقة بالخصوص، التي تُحَذَّر من خطورة المآل، لكي تسارع لتغيير وجهته، إن صحت التخمينات الحذرة منه، وهي قادرة على إمداد الرجال، والقضاء على الجرثومة.
لكنها تريد السلامة، وإخفاء فضائحها مع رجالات ونساء الغرب والاحتلال، لتسير في فلكه وتقترح ما يخدمه.
الوقت مضيق لا يحتمل واجبين، فهو للمؤازرة، وبعد الحرب يتوسع للنقد والتحليل، والشكر والتشجيع، أواللوم والعتاب.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم