المولد النبوي والإلهاء التحطيمي

عطفا على مقال"مظاهر الاختلاف حول المولد" يوم الإثنين 01 سبتمبر 2025م، 09 ربيع الأول 1447هـ، رأيت الأمر محصورا في مبالغات بين:
1/ المحتفلين، وهؤلاء تفرعوا إلى، موجبين، بسبب قدسية المناسبة، ومبيحين:
١) بجعلها عبادة.
٢) بإدراجها في أحكام التشريع:
أ} باستحباب توسعة النفقة على العيال.
ب} باستحباب الذكر فيه تخصيصا، رغم أنه شامل لكل الأوقات.
ج} بكراهة صيام يوم المولد، قياسا على عيديْ الفطر والأضحى، ولو صادف أيام سنن الصيام كالإثنين والخميس.
ومن الإنصاف الحواري:
// التساؤل عن السند الاستدلالي الشرعي لهذه المكروهات والمندوبات، علما أن القياس على العبادات لا يجوز لأنها موقوفة على النصوص.
// التخوف على مآل ما لم يتعبد به النبي ﷺ وهو قادر عليه، من انسحابه إلى مجالات أخرى تُبْتَدَعُ بها رسالةٌ غير رسالة محمد ﷺ، لأن ما لم يمكن فعله في عصره وحلّت ضرورته في عصرنا قد يدرج في المصالح المرسلة اجتهادا.
2/ المانعين، باعتبار:
١) عدم فعل النبي ﷺ وأصحابه، وتابعيهم، ولو كان صوابا لسبقونا إليه، ولم نستأثر به دونهم، لأنهم خير القرون.
٢) ابتدع مؤخرا في زمن الملك المظفر.
٣) التمسك بالسنة وحدودها الحرفية والمعنوية هو الحق، وعدم تجاوزها إلى غيرها.
٤) من زاد عبادة فقد زعم أن محمدا ﷺ خان الرسالة، ولم يتم تبليغها، والله تعالى يقول {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَاتِهِ}المائدة/67.
يمكن مناقشة الفريقين أصوليا وفكريا لا فرعيا:
أصوليا:
أظن أن التمييز بين المقصدين التعبدي والعادي، غائب عندهما، ولو حضر لحدث الاتفاق الوسط، ولو بتنازلات غير خادشة لقيمة النبي ﷺ لديهما.
أقترح أن يتنازل:
1/ المبيحون والموجبون عن المقصد التعبدي.
2/ المانعون عن المقصد العاداتي.
والقول الوسط، في تقديري هو اعتبار المناسبة:
1) من العادات لا من العبادات.
2) مع ضبطها بصرامة حادة جادَّة كي لا تؤول إلى معاني التعبد المبتدع.
وسواء رضينا أم سخطنا هي حدث:
١) لابد من مروره على السنة مرة.
٢) يُذَكِرُ الجموع الإسلامية بقيادة روحية رمزية.
فكريا:
إذا كان غيرنا يغرسون في تاريخهم وذاكراتهم الجمعية تخليد مفكريهم وزعاماتهم وعلمائهم وقياداتهم السياسية والثقافية والفنية والرياضية وغيرها، {والنبي ﷺ أقدس}، فنحن أولى أن نمنع عملية النسيان، دون اعتبار ذلك من مشابهة غير المسلمين في عاداتهم، وإنما تناظر لهم.
لأننا نتعرض لـ:
1/ طمس عناصر وحدتنا.
2/ إلهاء خارجي وذاتي، ولنقرأ كتاب: "الأمير"، لـ"نيكولو مكيافيلي"، لنرى كيف يُصَمَّمُ للخلافات، وتُحَوَّلُ أطرافها إلى دُمى تحكمها محركات الصراع لتسيير الشعوب بمجهولات خفية.
ولا غرو إن نبهنا إلى مساهمة الجامعة الإسلامية بتل أبيب في تعميق التهشيم الذاتي الإسلامي.
3/ تحطيم الكيان الإسلامي بالإكثار من أوجه الاستدلال عند كل فريق في كل مسألة غير المولد، المؤدية إلى ترسيب قناعات ذاتية تمنع المرونة العلمية في النقاش، ثم التعصب، فنشر وتوزيع التهم الجزافية، وادعاء كل طائفة حرصها الوحيد على الرسالة، لتتحول إلى الوصاية على الدين، ثم التهاجر، فالتقاطع، فالتدابر، على أشياء فرعية، لا أصولية، ولا عقدية.
أتأسف لمسلمين ينشغلون بمسائل كهذه عن مناورات، ومؤامرات، ودسائس، واختلاسات، وإفسادات الحكومات المختلفة، ومافيا المال والتجارة والصناعة، والسياسة، والتعليم، في الخفاء، لكي لا تقوم للمسلمين حضارة.
لينشغلوا بفروعهم، ويَدَعُوهُم يستأنفون مصالحهم بعيدا عن رقابتهم.
قد يعلم، أويجهل البعض أن قوانين خادمة للمصالح الأرستقراطية، والاستبداد، تنتظر بعضُ الحكومات تشريعَها إلى يوم اعتلاج الزوابع الإسلامية، والشعبية، والاجتماعية، والمهرجانات، والتظاهرات، والمعارض، فإذا هدأت العواصف، استيقظ الناس على ضياع فرص، أوقهر سلطان، بقوانين مرت آجال الطعن فيها، لتُسمع "يا ليت".
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم