نأيت بنفسي عن الخوض في التجاذبات حول المسائل الخلافية، احتراما لأفاضل وعلمهم، وتجنبا لسفاهة رعاع تبوأوا مقاما لم يرتقوه بعلم ولا تقوى لا احترام، لتأجيل ولوج حلبة النزال إلى فراغها، ومرور عاصفتها، لتتلقى النفوس، وتبذل في هدوء معنوي مريح، ليس لطرح رأيي في المسائل، وإنما لاستخراج مظاهر الاختلاف.
فيفترض أن تَغْلِبَ اهتماماتُنا بمسائل النهوض الحضاري والاستخلاف التمكيني، والجمال المدني، المهاتراتِ الخلافيَّةَ التي لن تُعْدَمَ إلى يوم الدين، ولن تغلب فيها فئة.
تمرُّ عليَّ السجالات المثبتة والمنكرة، المبيحة والمانعة لمشروعية الاحتفال بذكرى مولد سيد البرية، وليتها توقفت عند حدود التراشق الاستدلالي، أوعَلاَ النقاش هرمَ الاستثمار العلمي، والاستفادة المعرفية، والخلاصة الفقهية.
الاحتكاكُ بالمخالفين ولو في مسائل كثيرة، تُطْلَبُ فائدتُه ولو في جزئيات، كطرق الاستدلال، ومآخذ الخصم الأصولية والقواعدية، والفوائد والتأويلات اللغوية، والطبيعة النفسية المعنوية، وحتى البدنية أثناء التباري العلمي.
تكديرُ الاحتقانِ حول المسائل الخلافية الحوارَ الهادىءَ المعترف للخصم بالملة أوالمجموع العقدي جريمةٌ.
تسللتْ ضغائن فردية واجتماعية بين الطرفين، غَيَّبَتْ تبادل التحيات البعيدة عن مظانِّ النقاش، مع التحرج من طرح الموضوع المختلف فيه.
كل ما سبق له مظاهر:
1/ الغفلة عن ضرورة تضييق حدود الخلاف التماسًا لقول وسط.
2/ نقص الفقه في البحث عن المخارج الشرعية المعتدلة المباحة:
فلو تنازل الطرف المغالي عن تعبدية المولد ليحوَّلَ إلى مجرد احتفالية كسائر المناسبات الوطنية، وطَهَّرَهَا أدبيا وتشريعيا من المنكرات.
ولو تنازل الطرف المُصِرُّ على التبديع بعد التطهير، لأمكن اللقاء في الوسط.
3/ النظر الضبابي إلى البدعة، بين التعميم، والتخصيص بالتعبد، والتوظيف الذاتي لمعانيها وأحكامها.
4/ المزج بينها كمضاهاة للشريعة، والمصلحة المرسلة، كاحتياج يُلْجَأُ إليه في غياب المصادر التشريعية الأخرى للموازنة ثم الترجيح بين المنافع والمفاسد.
5/ ومن ثم الاختلاف في تصنيف الطبيعة العادية أوالتعبدية للأعمال.
6/ غياب التوظيف المقاصدي أثناء الاستدلال، إلا عند ذوي الاتجاه الحضاري.
7/ وقوع خلل في الطرح بين الأدلة الصريحة ذات الوزن العلمي، والاستلهامات والاستنتاجات والاقتباسات ووضع أحداث محل أدلة.
8/ رفع المباح إلى الواجب، وإنزال العادي إلى البدعي من شدة الاحتقان ومعركة التغالب.
9/ المزايدات المتبادلة في المسألة، فكلٌّ يستأثر لنفسه بالحرص عليها ويلغي غيره.
10/ نزول بعض أهل العلم والمثقفين للرد على الجهلة الرعاع ما يَزْرَى بقيمة العلم.
11/ رفض الكُلِّ من الخصم ولو كان حجة، لانتمائه المعاكس.
12/ تعطيل التوظيف العقلي، فكثير من الخائضين تُبَّعٌ لغيرهم، بترديدهم كلامَهم، ونسخ منشوراتهم، دون تمحيص عقلي، ضخَّمَ حجم الخلاف.
13/ من فهم المنع اجتهادا فذاك شأنه، ومن تَسَخَّرَ لمخطط مسخ القدسية النبوية من الذاكرة الإسلامية فذاك خطره.
زوحم المبيحون فنهوا عن أعمال بعيدة عن المناسبة، كالمبالغة في تحويل الذكرى إلى عرسِ مأكلٍ ومشربٍ، وتهورٍ في تشريع ما لا علاقة له بسيد الخلق عليه الصلاة والسلام، وأَلْغَوْا أوجه الاستدلال الضعيفة.
وزوحم المبالغون في التبديع، ليتنازلوا في جعلها مناسبة تاريخية فقط.
أتمنى لو تُتركُ مسائل لن يرتفع اختلافها، ويُحرص على الضوابط الشرعية، ومراقبة الإفلات نحو الغُلُوِّ، والنقاش حول التحرر من الاستعباد والاستبداد والجهل والفقر والضعف، وسبل تبوؤ مكانة التمكين، والسنن الربانية الكونية الكفيلة بقيادنا نحو السيادة، دون اعتبارنا مسائل الخلاف مستهانات ولا أساسات.
لأن أمة الإسلام في عهد النبوة والخلافة الراشدة سادت الدنيا دون إحياء الذكرى.
وضعفت وافتقرت ومرضت وتذيلت العالم في عصور ولو احتفلت.
فتبين أن السر هو الانتقال بالفكر إلى محالَّ أقوى، مما قد يزعج الاستعمار الحريص وأزلامه على إيغالنا في أوحال نزاعات يوهمنا بعلميَّتِها ومعارِفِيَّتِها لنتسلى عن محذوره ومقصودنا.
Tags:
شرعيات
