الأولاد بين الخَلَف والخَلْف

كان العرب قديما يكثرون النسل للتمنع بالأولاد والأحفاد، مقتصرين على التدرع الدنياوي، فأقرَّ الإسلام مع السهم العاجل الحياة الآجلة.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا مَاتَ ابنُ آدم انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فالولد الصالح صدقتُه الجاريةُ في الناس، وعافيتُه في قبره، لهذا يُدْعَى للميت بخلافة الله في عقبه.
فالشريعة تضفي على أحكامها وأخلاقياتها صبغة الصدقة التعبدية، للإقبال عليها، وتحقيق الأثر الحياتي الاجتماعي.
ومفهوم الخليفة من الاستخلاف أي وراثة سيرة المُسْتَخْلَف مطابقةً مطلقةً ولو بتقييدات جزئية.
وهذه منعة أخرى وقائية من الإساءة الغيبية له، سواء عند الناس، أوعند الله.
ولا يُعَارَضُ بقول (لا تكرهوا أولادكم على آثاركم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم)، لأنه يخص وسائل وأساليب تطوير السير الأخلاقي الحسن، وليس إزالته.
وأبسط خلق أن يمنع عن والده ذرائع السباب والشتائم.
عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال (إنَّ مِن أكبَرِ الكَبائِرِ أنْ يَلعَنَ الرجُلُ والِدَيه قالوا يا رسولَ اللهِ وكيفَ يَلعَنُ الرجُلُ أبَوَيه ؟ قال: يَسُبُّ الرجُلُ الرجُلَ فيَسُبُّ أباه ويَسُبُّ الرجُلُ أُمَّه فيَسُبُّ أُمَّه)، رواه البخاري ومسلم.
ومنطلقه بداية التربية الحسنة لضمان الانسيابية الوراثية بين الأجيال.
فإذا حدث تفريط، أوتقصير، أوأخطاء، أوعنت نفسي عاقّ، ينحرف السير الحياتي.
لكن يأبى بعض الولد استيعاب كونه سليلا أحب أم كره، وعليه الاستخلاف الصحيح، تنزيلا للسيرة الأبوية على مستقبل حياته.
هذه القاعدة تُدْرَء بأكذوبة (الاستنساخ الأبوي ليس ضروريا)، مُواجِهَة لقاعدة (من شابه أباه فما ظلم)، لمنح نفسه وسلوكاته حرية وهمية، كرغبات تتجسد على رمال الصحراء، من السراب، وإطلاق العنان لمعنويات في غير مناطها، ومزاجيات غير مضبوطة، وأعمال منعتقة عن الشرع والقانون والعادة الاجتماعية والعرف الأسري.
هذا صنف من الخَلْفِ، {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا(59)}مريم.
قد تُهْمَلُ تربية الأولاد لدواهي الدنيا، لكن من الحظ أن يلتقطهم مربون، ليصبحوا خلفاء طوعيين، فيلدون وَالِدِيهم مجددا، لصلاحهم بغيرهم، إذ الطبيعة الاجتماعية تقضي بنشأتهم السيئة، لإهمال ناتج عن جهل، أوافتراق طلاق، أوزوجات مُستخلِفات، أوحروب، أوآفات، أوغيرها، فإذا هم صالحون مصلحون باستجابة فطرية للتعليم والتربية والعناية المسجدية، والعشرة الطيبة، كالصحبة الشارعية الصالحة.
ومن سوء حظ بعضهم الحرصُ على التنمية الصحيحة، لكن حكمة الله اقتضت العكس، كالدعاء الذي يجهل سر تأجيل إجابته، فيعقّون ويتيهون، أويجرمون ليصبحوا بأسَهم في حياتهم، ومَسبَّتهم بعد مماتهم.
فليلتفت أولو الأمر كالأسر وهيئات التعليم والتربية والمعنيين إلى توسيع هذه المعاني، لينال الولد من الوالد، والعكس، فقوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا(33)}لقمان، يقصد الآخرة، أما في الدنيا فيمكن أن يجزي كلاهما عن الآخر.
وليتناول الأستاذ والإمام في هذا الموضوع ولو انطلاقا من حديث الصدقة الجارية، الاتجاهين في شرحه:
1/ نحو الوالدين لتحضير خَلَفٍ يمسك مشعل السير بنور في ظلمات البحر الدنياوي اللُّجِي.
2/ نحو الأولاد لاستلام هذا المنصب من الوالدين، للتأقلم معه، وصياغة النفس والروح والسلوكات بالطبيعة العادية الصالحة طمعا في تمريره بسلامة وسلاسة إلى الأجيال البعدية، و(كما تدين تدان).
ولن تتجلى هذه المعاني إلا إذا تطورت أساليب التعليم والتربية والدروس المسجدية إلى طبيعة حوارية متبادلة على شكل الندوات المفتوحة، لأن أكثر المعاني تمثلا وتنفيذا هي المتلقاة بالإقناع.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم