طوفان الأقصى ورباط الصابرين

البوصلة قائد والمسار الميداني مؤشر، إذا انقدحت أماراته الشرعية، وعُومل برباطة الجأش،
كثر إصرار قوم على عتاب وتخطئة أبطال السابع أكتوبر 2023م، يرجون انهزامهم، أواستسلامهم لشرعنة تبرير شبهاتهم.
هبْ أنهم أخطأوا، أواستعجلوا، أوانفردوا ولم يستشيروا ولاة أمور، بعضهم في حميمية سكرانة مع الاحتلال، وآخرون يَتَزَيَّوْن ويتمسْحَقُون للتطبيع، فأحرجَ القسامُ الأنظمة الوظيفية أمام العالم بضربة استباقية أهانت كبرياءها على هامات شعوبها، لكن حقَّ علينا الآن نعت شباب القسام (ولسنا لهم أكفاء)، بالرجال الصابرين، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}آل عمران/200.
اصطفاهم الله فئة قليلة لتغلب فئة كثيرة، فالجلَدُ مع طول المعركة بلا انهزام سِمَة توفيق، ما ضعفوا، وما استكانوا، وما ضَجَروا، {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيء قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}آل عمران/146، لعلها من علامات الواقعية ضد شبهة المآلات.
أعيَوْا تقلب الأمزجة، حفاتُهم يركضون مُطاردين المغتصبين، فتُرى شدةُ بأسهم، واقتناعهم بالحق في أرض الرباط، ومُدَجَّجُوهم لباسا وسلاحا، شديدو أناقة البَزَّات، شديدو ستر الوجوه، لا يعرفهم منا أحد، ولا يُرى عليهم أثر الجَهَد، وطَّنوا أهدافهم، ضبطوا سبيلهم، نوَّعوا أساليب حربهم، نتاجه لنا مبشر، لأعدائنا مُذعِر، شبابهم على الآليات منتصر، عدوهم في العراء مندحر، بالأرمادة التدبيرية الفكرية السياسية العسكرية العالمية مُتَتَرِس، تُربِكُه كلُّ جولة، مع الكرّ القاتل، والفرّ السافل، يتمنَّع الحسم، أوالنهاية ليُضمر الخورَ، استنجاءً من محرقة وضَع نفسه فيها بجنوده ومختطَفيه وأمواله، تَهْلَعُه حماس وسلاحها.
يمتحن الله الشعوب المسلمة المحبة أحيانا بملامح انتهاء الحرب لصالحه، {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}الشعراء/61، لكن تظهر البشائر بعدها مباشرة على أيدي بائعي أنفسهم لربهم، عمليات مفاجئة من مكامن مُحَيّرة، رجوع إلى الأنفاق بالغنم والسلامة، غزة مُحطَّمة، لكن العدو لم يعثر عليهم، ولا على رهائنه.
الآليات المدمَّرة المفحّمة بمحتواها البشري العسكري، سكنت زمجراتها، ونفدت صلاحياتها، أحزنت الأعداء وصانعيها، ليجبَر على مراجعة قراراته العسكرية، فيفكر في خطط جديدة لهلوسة إعلامية نفسية على الشباب الباسل، لكنه ما يلبث أن يطرحها في الخرائط، ليسحبها من أثر الردع الرباني على أيدي عباده الذين أَرَوْا العرب والمسلمين فيه من الله بأسا شديدا، لابتغاء أخروي باستخلاف دنيوي، ولو شاؤوا لانغمسوا في ملذات مُستدرِجة، لكنهم بنور الإيمان والأمانة والإخلاص والرباط الصابر، وشوق الشهادة اسْتَمْرَرُوا الاستمتاع إلا المسخَّر لله ثم الأرض والعرض.
شباب أُشربوا لذة الجنة بروح الإيمان، فاستنسخوا لنا من أنفسهم صورا ولو مصغرة قريبة التطابق مع صحابة النبي ﷺ.
ثبت الله الصحابة رضي الله عنهم على التعفف من الغُلول تناله أيديهم ورماحهم، فأرانا الله في هؤلاء مشاهد التمالك ضد سيئات الإغراءات، والتكنولوجيا، والجنس، والمال، والدور والقصور، تلفظها أيديهم وشهواتهم ورغباتهم دون إلقاء السلاح.
وللمتابع أن يقارن بين:
1/ ناهمي اللحم المشوي المبسوط بِشَرَهٍ على طول وعرض القصور الفخمة تلعقه أيديهم، تنتفخ به بطونهم، تُتخَم أمعاؤهم، تضيق أنفاسهم، {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا}الأحقاف/20.
2/ مشتهين موائد الجنان الربانية الأفخر من موائد الشبعانين، يقولون الحمد لله الذي صدقنا وعده، وشرّف أيدينا بإصابة الرميات، {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ}، وأورثنا الجأش، نتبوأ من الرباط حيث نشاء، {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}الأنعام/90.
أما غيرهم فليتركوا الشباب القويّ يتولى اللهُ نفوسَهم فهو حسبهم، ولستريحوا إن أعياهم حسدُهم، وتكالبُهم ومناوراتهم لتسليم قوة الحق، وهم غافلون عن القادم عليهم، فإما رباط صابر، أوفكاك جبان.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم