للمغالبات أسلحة نفسية، لانتصار المحارب، معبأةً في أفراد الصف، ودحر العدو، مسرّبةً إلى صفوفه، لتخوير عزيمته، بالأساليب والوسائل الممكنة المتاحة، قوةٌ للمنتصر، وفتكٌ للعدو.
ومهما تكن النتائج الميدانية المرافقة للحرب، فلا يُتولى عن خدماتها ضدَّ الخصوم، لتجنب الهزيمة، والتأييس، قصرت أساليبها وأدواتها قديما، لكن الحاضر أتاحها بشكل رهيب، للتواصل القريب بين نقاط الخريطة العالمية، وسرعة المعلومة صحة أوخطأ، ترتفع وتنخفض تأثيراتها، واللبيب يتحكم في مسارها وحركيتها باتجاه واحد، والخطأ البسيط ولو تلميحا ينقلب إلى مُحَطِمِ الصفوف، ومخذلها، وهازمها.
تُوجَّه السهام قبالة العدو باستمرار، للتقليل من تأثيره المادي الميداني، وتعالج القادم منها لقلب تأثيرها شجاعة وإقداما، بالأدوات المملوكة.
لقد عَلَّمَنَا القرآن قيمتها للمسلمين، وخطرها عليهم لأعدائهم، والمعركة تبدأ وتستمر وتنتهي بها قبل وأثناء تلاقي أسنة السيوف، منه قوله تعالى:
{إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا ۖ وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ ۗ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(43)}الأنفال، فيها التشجيع على مقارعة المفسدين، فالنظر المُعَظِم للعدو إفشال.
{سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ....(151)}آل عمران، إن كان هذا بالوحي فالمؤمن مُطَالَبٌ بصناعة الرعب في العدو.
{إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا(10)}الأحزاب، في سياق منّ الله على المجاهدين بالتثبيت.
{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ}، بيان لخطر المواجهات النفسية، {فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ(173)}آل عمران، علاج منها في سياق بيان قيمة الإيمان والتصديق اليقيني في التصدي لكيد العدو ولو عظم.
طوفان الأقصى صورة جلية لما سبق، فالمعركة المعنوية قائمة بينه وبين العدو:
الهجوم على ثكنات بئر السبع بمقاومة فاشلة لعناصره، غُنم المعدات والسيارات، الإعلان عن وجود الأنفاق بالخرسانة المتينة تحت الأرض، الاكتفاء الذاتي من السلاح والغذاء والدواء، إحكام التعتيم على المختطفين من أفراده، المعجز عن العثور عليهم إلى الآن، إلا ضحايا القصف العشوائي، الاقتراب من الآليات الضخمة والترويج لمصطلح مسافة الصفر، وضع القنبلة على جنب أوظهر أوفوق الدبابة، {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ17}الأنفال، فالابتعاد عنها ثم انفجارها، الاستدراجات لمكامن الكمائن، التغفيل المؤقت للعدو وإشعاره بنفاد أزواد المجاهدين، ثم الظهور بقوة أخرى، تدمير ممنهج مخطط بالتكنولوجيا المسيرة من الأنفاق، الظهور باللباس العسكري السليم النقي لأعداد غير متوقعة أثناء تسليم المختطفين، تنظيم حفله، التبختر تحت مسيّرات العدو، التغافل عن مصير المفاوضات في النظر العسكري واستمرار المواجهات، صراخات الشعب الغزي مساندة للمقاومة.
أحداث مثلت الصراعَ النفسيَّ المُدَجَّج، أربكت العدو، أخلطت أوراقه وتوقعاته وخططه، كسرت أحجار شطرنجه، أسالت بول جنوده تحت سراويلهم، اضطرته إلى سحب ألويته من غزة، ألجأه إلى التفكير في زرع العملاء للتجسس دون جدوى.
للعدو كذلك وسائله وأساليبه النفسية المؤثرة، أصاب بها المتساقطين، كضغوطه المعنوية ضد حماس والقسام بالإعلام والعملاء، وأوصاف التخريب والإرهاب، تحويل أغلب المساحات إلى خراب، تعبيرا عن خلوص الحرب لصالحه، إشاعات الانتشار لاحتلال غزة، مُخْفِيًا الذُّعر الكبير من نفوق جنوده، ثم الذهول لخروج الشباب من البنايات المهدمة ليُثْخِنُوا فيه، يعطلون عمليات الإجلاء، ثم تَرْجح كفة المصداقية بالشباب المجاهد، لأن السوابق التاريخية في عمق الزمن لا يمكن محوها بقلم، أورصاصة، أووصف، فالعدو صاحب دمار، ودماء، وفتن، وإفساد، والمسلمون أصحاب حق في الأرض، ولو كان له حق أرض، لبرئت ساحته.
الحرب النفسية تُضَاعِفُ إباء القسامي وشعوره بالكرامة، وتُهِيلُ على العدو ردم الرعب.
انتصارات معنوية تنتظر مؤازرة الأنظمة المحسوبة على الإسلام والعروبة بوسائلها الديبلوماسية وإعلامها، لئلا تَضيعَ النخوة، لصالح الحماقة والجبن.
Tags:
مجتمع
