القرآن بين حفظه وفهمه

نحمد الله على الحركة الحديثة بوتيرة متطورة سريعة لحفظ القرآن، من أطفال مَرعيين، وشباب مُقبلين، وكبار مُستدرِكين، كظاهرة صحية تشجع وترشد.
والشكر للأئمة والقائمين المطورين للعملية تماشيا مع مقتضياتها المعاصرة، ضَحَّوْا بشبابهم، سخروا فُتُوَّتَهم للحفظ والتحفيظ، بصبر على نشاط الحافظين وتكاسلهم، ولا غرو أن يُحتفل بالختم، لأنه جائزة جهاد مضنٍ.
ولتثبيت حفظه يحسن:
1/ إشعار النفس بحمله كمحفظة الأستاذ، أوالتقني، أوالطبيب، أوالعسكري، عصا اعتماد، منهاج حياة، تصميم تخطيط، سلاح ذب، درع حماية، فإن الدارس الزمني لما بين نزول (اقرأ)، وآخر آية يدرك أنه وثيقة ربانية لأمة مستخلَفة على حضارة تنظف أنقاضَ حطام بشري.
2/ قراءة أوراده واكتشاف فتوحات ربانية في ثنايا عجائبه التي لا تنقضي، فالقراء المكثرون يحكون لنا أفهاما جديدة أحيانا في الآية الواحدة وكأنها أنزلت للتو، ولهذا قد يؤتي الله ذلك للكبير والصغير، في بديهة قد تنشط عند أحدهما وتكسل عند الآخر، وقد ينقلب انقداحها بالعكس في حالات أخرى، وليس بالضرورة التعبير عنها كتابة أونطقا، فمن الانتبهات ما يتدبره (لا يتفكره) العالم في ذهنه يَضمُر التعبير عنها، كممارسي علم الفقه والأصول والمقاصد يستنبطون أحكاما من هذا المنطلق.
3/ تعزيز الفهم:
١) بالتفكر {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(44)}النحل،، وهو منطلق فهمه.
٢) بالتدبر {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ(29)}ص.
أ) لتعميق إدراكات عقلية لأسراره وحِكَمِ الله وتشريعاته فيه.
ب) لحسن إسقاطه على الواقع وتنزيل أحكامه الروحية والتشريعية المنصوص عليها، والمقيسة عليها.
ت) لتحديث الوعي بمقتضيات المراحل المعالَجة قرآنيا.
ودائما أقول إن التدبر خلاصة التفكر السليم لأنه مشتق من الدُّبر وهو النهاية توافقا مع النظرة المآلية.
ث) لصياغة ذهنيات فردية تصوغ قرآنية المجتمع الإسلامي.
ج) للانصراف بعيدا عن سوسة الرياء، ثم الافتخار به ليذهب معظمه نسيانا.
ولذا يمكننا:
+/ المقارنة بالسؤال أوالإيجاب أوالسلب عمن حفظ بعضه مع فهم ولو قلّ، أواعتبر شمولية الحفظ متدرجة موازية للفهم، ومن حفظه كله مع فهم قليل أومنعدم، أواعتبر تقديم الحفظ على الفهم المحقق الممنوح مسايرة لمراجعاته وأوراده.
+/ التساؤل عن عدد مراكز وموضوعات البحث والباحثين، المتكافئة مع عدد الحفاظ، والملبية لمتطلباتنا المادية والعلمية لمسابقة الركب الحضاري السائر بأنساق مختلفة التسارعات، في منتهيات الآيات المشيرة إلى مُضمَرات فوض الله لها عقولا متجاوزة طبيعة القراءة البليدة للقرآن، إلى قصد صياغات فكرية جوهرية لصناعة وبناء أمجاد حضارية تكتسب بها القوة المعنوية والمادية انطلاقا من القرآن لحراسة ثغورها، في ميادين القيم، السنن الربانية القرآنية في الكون، إدارة الحياة والعلاقات، الصراعات، الانتصارات، التمكين، وغيرها.
+/ الطمع في تنظيم دورات وتربصات فكرية وعلمية لحفظة واعين وإكسابهم مهارات سبر أغوار الآيات وأسرارها، لاستخلاص جواهر مددية للصف الحضاري الإسلامي في معارك إثبات الوجود العالمية، لئلا تبقى العملية التدبرية حبيسة فتوحات ربانية فردية لا تحقق مأمولا جماعيا كليا.
+/ مصادقة مؤتمرات علماء وحكومات على ذلك.
+/ استحداث تخصص ما سبق بين شعب الدراسات القرآنية.
4/ لنرتقي من القصور الطرقي والصوفي والتحجر العلماني، إلى مستوى مبادئه وقيمه ومقاصده الكبرى، ونظرته للكون والحياة والإنسان، بالمعارف المتلبسة به بحثا وتفسيرا.
5/ تعزيز العمل ولو على المستويات الأصولية، ولن يتأتى إلا بسابقة فهم كما سبق، إذ لا يمكن التنفيذ بلا معرفة كيفياته، وبالعكس فإن غير العامل بسياقات وخلاصات فهمه عدو نفسه يفعل بها ما لا يفعل عدوه، فهو شيطانها، كالمنافق عليم اللسان يجادل بالقرآن.
هذه معالم إعداد أجيال تُعلِق تاج سيادة الأمة في عمارة الأرض، تمهيدا لتيجان الوالدِين يوم القيامة، ليؤجر المسلمون مرتين.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم