الأمجاد بين الآباء والأبناء

عالجت النصوص الشرعية العلاقات الاجتماعية، وراعت وراثة الفرد سمعة والديه، واغتنام منافع أولاده، فَيُعطى الأبناء من الآباء، والآباء من الأبناء.
في إحسان الطاعة بعد حسن الرعاية عبارة لأستاذنا الدكتور عمار جيدل {تُعْطَى من البنوة على قدر ما تعطِي من الأبوة}.
فالأمران متلازمان طردا، وعكسًا.
أمجاد كثيرة يُوَرِّثها الأب لأولاده، و{الشرف يُوَرَّث، لا يُباع ولا يُشترى}، برشد حياته، الصدق مع الله، طاعته وعبادته، معاملاته، أخلاقه، شكيمته، الشعور بالآخرين ورعايتهم، خدمتهم، احتضان خيره الناسَ، نبل الأسرة وعفَّتها، الحرمة، الإباء، المروءة، خلوّها من خوارم إنسانية، وقواصم اجتماعية، موسوم بفضيلتها، فتُسكب على كل منتمٍ إليها قربًا فقربًا، تُدَثِّرُه الاحترام، تكفيه مؤنة العتاب عند الخطأ، لأنه سليل الأفاضل، ينال صِيتَهم عند الخلق، فتشمله شهادتهم لله في أرضه.
مصداقه {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا}، إذ شفع للغلاميْن صلاحُ أبيهما في إقامة الخَضِرِ عليه السلام جدار كنزهما.
تَلاحَّ قريب المتوفَّى مع إمام حول الصلاة على الجنازة، التقيت القريب بعدها بأيام، عاتبته على التخاصم أمام الناس، وهو رجل حافظ للقرآن، وببديهة استنباط قال لي {أنت يمكن الحديث معك، لأن الله قال في مثلك، "وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا"}، فاشتدّ وقع قوله على نفسي تجاه والدي، أشعرني بواجب رعاية صلاحه.
حرستُ اختبار فوجٍ تربويٍ، اكتشفت تلميذًا ينسخ من غشّ، دعوتُ أستاذ المادة ليتصرف، كأني به ارتجف لمعرفة صلاح والده، فلم يطرده، ومنحه استئناف العمل بأوراق إجابة جديدة.
حالات كثيرة يحضرها حياءٌ مع سلوكات أفراد، بسبب حسنات والديهم.
فأولو النهى يستنُّون بالله النظرَ إلى سابقة العبد يوم القيامة مع سوابق أقرانهم في أولادهم.
الصالح يُعَبِدُ المحيط لخلفه بانسيابية عجيبة، إذا اشترى تغاضى التاجر عن الدفع الحالّ، ثقةً ساريةً من والده إليه، إذا خطب رضي الولي تزويجه بلا تردد، لأصالة آبائه، إذا عَاجَلَتْهُ حَاجَةٌ قُضِيَتْ له وعَيْنُ العَوْنِ الإداري شاخصةٌ نحو هالة والده.
الصالح يَكْسِبُ رمزيةً اجتماعية تلقي بظلالها على ابنه آليا، فالواجب:
1/حفظ الرجل مستقبلَ أولاده بصلاحه، وتوريثه لهم، لأنَّ فساده يعسِّر عليهم الحياة والتعايش الاجتماعي، وقد يُظلمُون بسبب انحرافه، وتحيط بهم التحفظات.
2/انتباه الرجل إلى المحامد الأبوية، لصيانتها، بحسن تمثيل والده اجتماعيا، ليقال {الإبن نسخة من أبيه}، {من شابه أباه فما ظلم}.
ويَصْدُق ما سبق عكسًا، فالفرد قد ترفعه أخلاق ابنه، وتعلي شأنه، ولو كان ناقصا، إذ حياء أهل البصائر يمنع أذية من يعلمون له ولدًا نافعا.
إن المقام المحمود الدنيوي يرعى الوالد ولو تدنَّى عنه، لأنه رأس ماله، والبشر لا يعدمون أهل العرفان والحِجَى.
ومصداقه جعل النبي صلى الله عليه وسلم الولد الصالح عملا غير منقطع، يُخَجِّلُ الناس من نفسه عنه، يَصْرِف عنه السوء بعلو قدره، وذات يده، يدعو له، ربَّاه هو أوغيره.
وقديما كان الرجال يكثرون إنجاب الولد لمظنة المَنَعَة.
أنقذ الكثير والديهم من خصومات بمكاناتهم، وحسن تعاملهم مع غيرهم، وبعضهم أخرجوهم من السجون لعدالتهم عند القضاء.
بعضهم وَرَّثوا والديهم ترقيات اجتماعية بنجاحهم، لم يكونوا ليتمتعوا بها لولاهم، ومن كان مجهولا، لا يذكر في الناس إلا بحسن حال ابنه بينهم.
أعرف رجلاً مجهول الحال، أشيرَ إليه بالبنان لتواجد ابنه بين صفوة حاملي شهادة البكالوريا قديمًأ.
بعض الزعماء تجددت ولادة آبائهم المجهولين واشتهروا بشهرتهم الفاضلة.
على الرجل رعاية حرمة ولده في دوائر كثيرة، لتحديث حياته، واستدراك فوات الصلاح في متبقَّى العمر، ولا يعدِلَنّه تحسس صغره، فمجد ابنه رزق ساقه الله إليه بلا إشراف ولا تَطَلُّعٍ، فليقبله ولا يرده.
الوالدون تيجان الأولاد، وهم زينتها.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

1 تعليقات

  1. ما شاء الله عليك زادك الله فقها وبصيرة

    ردحذف
أحدث أقدم