كان العلماء يُعضدون الحكم بدليله النصي أوغيره، موافقة لنهج رسول الله ﷺ، يقفون عنده، يقدمونه على أقوالهم، يعافون العلم بدونه.
فلما فترت الهمم، وغلب الجهل، وبَعُدَ زمان النبوة والصحابة، وتأخّر تدوين الحديث، وبعد اكتفاء الناس بالمذاهب الأربعة المؤسسة على أصول وقواعد كلية وأدلة جزئية، خلت الفتوى من الدليل، قد يُعلمُ، لكن لا تدفع حاجة إلى ذكره، لعامّيّة السائل وعدم تمييزه الأدلة وفهمها، فغاب من أعماق الفتاوى، وبطون الكتب والمصنفات، وتوقفت عجلة الاجتهاد فهما وإنشاء، وجثم الجمود على صدر العلم، اكتفاء بقول الإمام، واستمر الركود قرونا، إلا نزرا يسيرا، رضي الكثير به، وجال التقليد بلا دليل أقطارا وأزمانا، بَرَّر الكثير لهذا الشذوذ.
ثقة التقديس كرست كسلا تقليديا للمقتدرين على طلب العلم، لأن وجوده في ذهن الإمام عاصم للحكم في الأوهام.
نهضت الصحوة الإسلامية وجددت مفاهيم كثيرة، منها قيمة الدليل، وطفا مصطلح الاِتّبَاع، بَحَثَتْ عن الكتاب الحاوي عليه، كفقه السنة لسيد سابق، ومنهاج المسلم لأبي بكر جابر الجزائري رحمة عليهما.
استنكار العوام ومقلدة المذاهب، أدى إلى تطرف بعض الشباب الملتزم ضد التقليد، وإهانة مصنفات مذهبية، واحتكاكات سيئة أحيانا، وانفصام الشخصية المتجانسة بالتباغض، وتهمة الدين الجديد.
قوبلت بدايات التحرر العلمي بعتاب "من تكون لتطلب الدليل من الشيخ؟"
استمر الحال سنوات، قبل ظهور فصيل منتسب إلى السلفية المتشددة المطالبة بالدليل، والجاهلة بالتعليل والمصادر الأخرى.
أحرج هذا الوضع المتمذهبين، فأغمرت الكتب المؤلفة بالدليل القرآني مع ذكر موضعه، والحديثي بسنده وراويه ودرجته، والتعليلي أوالمصدر التبعي بذكر وجه الاستدلال، أصالة عن المذهب، أونيابة عنه.
أزعج الضمير التقليدي، فبات ينقب عن الدليل ولو عند الخصوم، لحفظ شرف الفقه المقلد المصطدم بطلب الدليل من قداسة موهومة، يعتريها الصواب والخطأ، تشكل كخليط من تفسيرات، عوض النبع الأصلي الصافي.
كَرَّسَ ردة فعل إيجابية على ملامة التقليد، والتبديع، والتجهيل، لإثبات الذات العلمية، حتى المناسبات المختلفة أصبح الاستدلال لها أولى منها، في كل إلجاءات المنافسين من المسائل المجادل فيها حوله، ولو بِلَيِّ أدلة المخالفين، أوتأويلها بغير مسوغ، كَبُعْدِ صواب تأويل حديث (أفطر الحاجم والمحجوم)، بأنهما كانا يغتابان.
أطالع مقالات، وفيديوهات لمتمذهبين يردون بالدليل على خصومهم، درء لحرج التقليد السابق، والمبرر بجهل العوام، لأن الخصم ملجئ، والاستدلال موضوع التراشق، فأصبح تحسينيةَ الدرس والخطبة والتأليف والندوة والمحاضرة والفيديو، لكسب صدقية التبليغ والاستجابة.
إن هذا الإحراج الشديد أحيانا، جلب نفعا لم ينتظر:
1/ تخلص العالم، من التأليف العاري عن الدليل خشية التهمة.
2/ تحرر العقل من التقليد المُغَشَّى، والاستئثار بالمشيخية دون تأهيل ولا تعليل.
3/ حَلَّى المؤلفاتِ بمتعة أحكام مزينة بالدليل.
4/ عَكَسَ اتجاه الهجوم، وغَيَّرَ مع التبديع موقعيهما.
5/ فضح تقليد المُحْرِجِينَ لمشايخ آخرين بحجة الثقة في الاستدلال، كالنقل عن الألباني، أوابن عثيمين، أوابن تيمية، أوفركوس، وعجزهم عن المصادر التبعية والتعليل.
وجدت أحدهم يمسح على الجوربين بطريقة خاطئة فلما نبهته قال "هكذا قال ابن عثيمين"، عوض: "هكذا قال الدليل".
قد يُجْلَبُ النفعُ ويُدرأُ الضررُ ولو بإحراج.
1/ بالتنافس على العلم، وتحري الدليل.
2/ بنفع المخالف، فقد صَحَّحَّ النقدُ مفاهيم، ووارت المشاكسات عوارت.
3/ بوخز المتطرفين بما يجهلون، من المصادر التبعية والتعليل.
4/ بالتنبيه إلى قيمة العقول الفاهمة غير المتطاولة، وعدم استغفالها.
5/ بحدوث مراجعات أخلاقية نفسية للمتّبعين، وعقلية تحررية للمقلدين.
6/ بأفول التشاكس المعرفي وتبادل الأدلة، وحلول النقاش حول أوجه الاستدلال.
سيفرض الإحراج التوازن العلمي، ويؤسس لتعلم هادئٍ متأنٍّ، يفتح آفاقا تجديدية على الأمة لاحتضان صرح حضاري واسع.
Tags:
شرعيات
