المعلوم عقلا وشرعا أن بعض البناءات تُشَيَّد على أنقاض، أوفراغات، أوأطلال لا تصلح للانتفاع سكنا أوعلما أوعقيدة أوغيرها.
أما ما ليس كذلك فلا يُبنى عليه شيءٌ.
إذا كانت مجالات المقدمة كثيرة، فإن بناء المرجعيات يتوجه قصدُ الذهن فيه نحو العقيدة والفكر والفقه الإسلامي بالخصوص.
والمراجع في البلاد الإسلامية كثيرة حسب تطرقنا للمعنى اللغوي والتعريف الاصطلاحي في مقالنا السابق.
وإذا كانت كل بلاد بحكومتها أوشعبها أومثقفيها أوعلمائها تحرص على التضييق (في رأيي) على العوام بمذاهب معينة لتبريرات قد يصلح بعضها دون بعض، فإني أراها (في نظري) على أخطاء منهجية، ذات عواقب وخيمة مستقبلا، لكن خطورتها لا تظهر بسبب تدرجها الثقيل كدبيب النمل الصامت.
وإذا فحصنا الواقع المرجعي نجد له مؤاخذات قد تأتي على البنيان الإسلامي ذاتيا قبل التآمر الخارجي، منها:
1/ العقيدة:
المرجعية العقدية عند المسلمين يفترض أن تستمد من الموروث الإسلامي الأصلي من الكتاب والسنة.
لكن الخروج من البساطة العقدية التي كان عليها السلف الصالح من الصحابة والتابعين إلى فلسفات وتفسيرات وتأويلات وتحريفات ابتعدت عن النهج الأصيل، تولدت منها وبسببها فرق وطوائف منها القريبة والضالة، ولعل من جملة أهل السنة والجماعة فرقة السادة الأشاعرة، ومع ذلك نجد المتطرفين منهم يشتغلون على المرجعية السلفية في بناء المذهب، وفي رأيي من استهدف إبراز قوة شخصيته ومكانة مذهبه عليه العمل في الإطار الذاتي وزيادة التعمق فيه لتغليبه دون التهوس بغيره، لأن الاستمرار في هذا النهج الخطير قد يؤول بنا إلى عقائد لا مذاهب، كتنازع عقائد بعض أهل الكتاب كالنصارى.
فبناء مرجعية عقدية على أخرى فسح المجال لبناء التشيع على السنة، وبرر له بما لا يطاق دفعه تحججا واستدلالا.
أما البناء العقدي الصحيح المقبول الضروري فهو ما كان على أنقاض الشرك الذي لا يملك أسس الاستمرار عقلا وشرعا.
ومثله بناء أمجاد السنن على أنقاض البدع، وهو ما يُنصح به أتباع المذهب الأشعري (كمثال).
2/ الفقه:
يفترض فيه الاجتهاد على مستوى الاستدلال، وفهم الأدلة النصية، وحسن تطبيق القواعد الفقهية والأصولية عليها، والأدلة الاجتهادية المختلف فيها، لاستنباط أحكام الكل بناء على العلم المحض لا على المذاهب الأخرى.
إن الاستقلالية التي نرددها كثيرا نقصد منها التحرر من الاستبدادات الموجهة نحو الإدلاء برغبات الحاكم والأجنحة السياسية.
لكن الفقيه نريد له استقلالية أخرى إضافية، وهي الانعتاق من الضغوط المعنوية للانتصار العلمي على الآخر، والعقدة منه، هذا ما ألاحظه على الأقل عند الممارسين المعاصرين، فأنزعج من بعضهم وهم يُسَوّدُون صفحاتهم، ويسيلون حبر أقلامهم، ويضيعون أوقاتهم في الاشتغال بغيرهم عوض إمداد الأمة المتعلمة بما عندهم.
إن البناء على الفقهيات والمذاهب الأخرى، برّرَ لمجال بناء فقه شيعي فوق الفقه السني، ولا يطاق هدمه لاستفحاله واقعيا، ومظلومية منعه دون غيره.
إن بناءها على خلفية ما ليس مهدوما، يصبح مجرد ردود أفعال، ولعل ما وقع بين القدامى أمثلة، لا أتطاول بذكر أصحابها.
والفقه الإسلامي يبنى بقواعده وأصوله لنشره، وغزارته ثراءً، لا صراع يريد البعض القفز به على خصوم موهومين، ربما هم في تغافل عن هذا.
وبذل الوسع في العلم يسير بروح هادئة ترتقي إلى مقاصده السننية، تبتغي الثواب قبل الغلاب، لا بحرب معنوية، وأمراض نفسية.
إن التعصب للمرجعيات المكتسبة أوالمصنوعة أوالمختارة أوالملزم بها دفع إلى إلغاء الآخر، وخسارة الانتفاع منه، فوقعت في سقطات حرب على علماء خارج التيار، فضاعت منافع كثيرة، وهو ما يفسره الغفلة عن علوم فطاحل من مذاهب مختلفة، ونسبة كل عاهة علمية أومجتمعية إلى الغير.
Tags:
شرعيات
