التجديد بين الفقه والعقيدة

نشرت سابقا عن إمرار صفات الله بغير تكييف وأن الإقرار بما ذكر الله عنها ورسوله بدونه، لا يعني التجسيم، وإلا لقلنا: له يدٌ كأيدينا (على سبيل المثال)، رغم محاولات الإلجاء إلى ذلك، لتمرير تبرير التحريفات والتغييرات التي أسموها تأويلات، ومتمسكهم وراثة تقليد مذاهب من جملة أهل السنة والجماعة، قد يكون لهم عذر اللجوء إليها تاريخيا وواقعيا، بإحراجات غير المسلمين، فظنوا تنزيه الذات العلية بالصرف عن الوصف الجسدي، اهتزازا بثقة (ليس كمثله شيء...)، التي وثق فيها المؤمنون الممررون بدون تكييف، ويرددونها بُعَيْد كل تأكيد.
ولم نتحدث عن متمسك آخر، وهو اعتبار تأويل (تحريف) صفات الله، من اجتهادات أئمة تَحَمَّلوا تجديد الدين، كالسادة الأشاعرة، إغفالا للفرق في التجديد بين الفقه والعقيدة.
من عبارات العلماء والمفكرين (الثابت والمتغير في الإسلام)، وهذه منها.
فالثابت هو مسائل العقيدة لأن متعلقها القلوب، محلها اليقين، وموكولة لله، مرتبطة بما أثبته الله ورسوله ﷺ، ولم تَرْوِ القرون الأولى مساسا بكيفية الصفات، رغم الإحراجات الطائفية أكثر من عهد النبوة، ومن يدّعي ذلك فليأتِ بدليل واحد صحيح سندا ومتنا عن النبي ﷺ أوصحابي أوتابعي، عكس الساكت عن التكييف الذي لا يُطَالَب بالدليل، أما المحرّف فهو ناطق أتى بشيء جديد، ادّعى زيادة علم.
فآيات الصفات يعتريها القطع وليس الظن، سواء في نسبتها لله، أوفي كيفيتها.
أما الاستفادة من معانيها والاتعاظ بها دون مآلاتها فمباح رغم اختلاف الأفهام.
ويرجع سبب منع التجديد والاجتهاد في العقيدة إلى ثباتها، فما ذكر عنها وقت نزول القرآن بقي نفسه لم يتغير، لأنها متعلقة برب لم يتغير، كان ولا يزال وسيكون.
أما تجديد الصحابة والتابعين والعلماء للدين ففي إطارين:
1/العقيدة:
وذلك بإحياء ما أميت، وما اندرس من الإيمان، والعلم بها، استنهاضا للهمم، وتقوية للعلاقة الروحية بين العباد وربهم، وإعمارا للقلوب بفيضها، وتأملا للعقول في عظمة الله بأسمائه وصفاته، لامتثال الطاعة وترك المعصية، فهي الرأس الذي يقود قاطرة الحياة العملية، لذلك يُعْتَبَر كيْفُها موقوفا على الله وحده، تورعا عن تأويل ما يختص به.
2/الفقه:
١)التطور العلمي:
لقد سجل علماؤنا وفقهاؤنا رحم الله موتانا وحفظ أحياءنا منهم عن الصحابة سجالات واستدلالات واستنباطات بفهومات في المسائل العملية البدنية، كتولية الخليفة، وقتال مانعي الزكاة، ومسائل الفرائض كالجد والإخوة، والحامل المتوفى عنها زوجها، والطلاق الثلاث بكلمة واحدة، وغيرها من إشراقات الأنشطة العلمية الفقهية المتسارعة.
وتوسعت حركية الاستنباطات في أجيال تترى إلى يومنا هذا.
كل ذلك بالتطبيق المباشر، أوبالاستنباط الفهمي، أوالاجتهادي بالقواعد والأصول المقررة استفادة واستقراء من النصوص والأحكام الأولى.
٢)التجديد العلمي:
بإحياء الفقه الإسلامي دوريا كلما لمس العلماء والفقهاء ومرتادو كراسي الدروس ووسائل الإعلام القديمة والحديثة المطورة لسرعة وصول المعرفة هجرة الناس وجفاءهم له، وبعده عنهم، لإعادة فتق قرائحهم للاغتراف من علومه.
إلا أن العقيدة لم يقربوها إلا تذكيرا دون تكييفات،
لأن مسائلها وأركانها وصفات الله فيها وأسماءه هي نفسها من يمين إلى يسار الكون، ومن شماله إلى جنوبه، لا تتأثر بظروف ولا أعراف ولا وسائل ولا أساليب، لأن الله المعبود فوق عرشه بذاته في كل مكان بعلمه، عال على خلقه بائن منهم.
أما محل الفقه وأصوله، فعمل الأبدان وهي ظاهرة، ويتخللها الفهم، والظن.
أما أعمال وأحوال العباد ووسائلهم المتجددة والمتطورة وتحديثاتها التي أثّرت على الأساليب تنويعا، فتقتضي اجتهادات مواكبة للزمان والمكان لأسلمة الواقع كي لا يبقى خارج دائرة الأحكام الشرعية العلمية الفقهية، توظيفا للأعراف والظروف والذهنيات المتكاثرة في الكون.
الأستاذ سعدالدين شراير

أستاذ مادة العلوم الإسلامبة في التعليم الثانوي، متخرج من جامعة الجزائر العاصمة بشهادة ليسانس في العلوم الإسلامية، خبرة 37 سنة تدريس

إرسال تعليق

أحدث أقدم