فرق بين الموضوعات العلمية المخطوطة في المقررات الدراسية، أوالممنهجة في مصنفات أهل العلم، بأبوابها وفصولها وعناوينها، وبين التي تستفزها تكاليف البحوث والرسائل الأكاديمية وأحداث الأمم والدول والجماعات.
قرأت رسائل ونتائج نقاشات استدلالية تقوي المراكز الجدالية للمذاهب، فوجدتها أوسع مما يطرحه المصنفون أوسَهَوْا عنه في تأليفاتهم، لأن البحوث المعاصرة تحرص على استخراج كل أدلة الأطروحات المتضادة، وجمعها وتنسيقها، ومنها الاستنباط الشرعي الفقهي للحكم على السلوكات والقرارات المختلفة، إذ يكثر التفرق حولها، والوضع لصالح المذاهب متناثر في مظانه التاريخية.
ومنه دور الأحداث في استفزاز الأحكام، وفي تقليب الأفهام والاجتهادات والتأويلات.
ليوميات طوفان الأقصى المبارك نُبَذٌ منها، استُدل على حكمه باستخراج نصوص الجهاد من القرآن الكريم، ودفع الصائل، وفرض العين من الكفاية، واعتبار العدو مهاجما للدار أم لا؟ وصلاحية الوقت من عدمها، وجهة ولاء مناصره والمحايد عنه ومخذله، وكفاية القوة المعدة لانطلاقه، إن كانت معتبرة، أم غير معتبرة، بسبب موقع الحرب، كل ذلك بالنصوص ولو ظاهرها التدافع أوالنسخ أواعترتها دلالات الألفاظ، وضروريات وحاجيات وتحسينيات ومقررات المقاصد، وفي إطار اعتبار الحدث فتنة أم لا، وتقلبات فهمها، ومكانة الحكام من المبادرة.
أكبر ملحق بها محاولات السطو الشيعي بكبره الفارسي وذيوله العربية، رغم انطلاق تمرده من العراق، لكن قوة الدولة تختطف مواصفات الآخرين لاختلاس زعامة التشيع، ولا يمكنهم التمكن إلا بتوظيف الدين وفلسطين ووشاحها، لامتلاك الامتيازات المعنوية والوَلائية عند العرب والسنة، مع تنميق اللافتات اللازمة، تحرير فلسطين، أمريكا الشيطان الأكبر، رمي إسرائيل في البحر، كلها ادعاءات تُخرَق في التعامل السياسي والعلاقات الدولية والتبليغ المخابراتي عن الأذرع، كتبليغ الفاطميين عن السنة للإفرنجة.
والدليل الواضح الاكتفاء برشقات غير فعالة، والانسحاب من الضاحية الجنوبية، والسماح لبواخر التموين الدافعة للغرامة بالعبور، ومنع غيرها.
ومصدق ذلك ومكذبه مضطر لتعضيد موقعه المواقفي، فيستشهد بما توافر من البراهين فلا يجد إلا النصوص لمصداقيتها الدينية، فتم التلويح بآيات الولاء والبراء، خاصة الداعي إلى نصرة الفرس وأشياعهم، وآيات فرح المسلمين بانتصار الروم، رغم القياس المفارق، بفعل أقربهم مودة للذين آمنوا، وتلطخ أيادي الفرس وذيلهم اللبناني بالدماء السورية تحت الجسر الجوي الروسي، ونص التولي والاستبدال، وتنزيله بالعاطفة على المظاهر الفارسية، علما أن الاستبدال يكون بالأحسن، لا بالأسوأ، وتوظيف التريث، وتأجيل الخوض في العداوة السنية الشيعية، تجاهلا لقاعدة عدم إباحة تأخير البيان عن وقت الحاجة، وأن تأجيل فضح هذه المسائل إبراء للجلاد وعقاب للضحية، ولعمري هو الجور بعينه.
والدعوة إلى فصل السياقات العقدية عن السياسية، تغافلا عن التربية النبوية بشمول الإسلام لكل المناحي وترابطها.
استُعمل لدفع جحافل الأنصار حادثة جوار المطعم بن عدي للنبي ﷺ، وكأن أهل السنة وهم يعانون الضعف، أقوى على استضافة الشيعة وجوارهم، مطلب جائر.
أما العاطفة فقد انقلبت من تأييد الضحية المظلوم، المحل الحقيقي للغيرة على القرآن وعرض النبي ﷺ والصحابة والمعذبين والمقتولين والمهجرين على أيادي ميليشيات سفاحين مدججين بآلات التنكيل والتعذيب في لبنان وسوريا والعراق واليمن، إلى احتضان الظالم الجلاد لمجرد مظاهر الطاعون الأسود.
كيف يتحول قائد منهم من صعلوك مرتزق إلى معمم سفاح، يعلم الله وحده عدد المقتولين على يديه من أهل السنة في هذه البلدان.
مهما استُنفِرَت النصوص تحيزا لفئة أورأي فلا تعدو كونها آراءً غير ملزمة.
إلا أن الذي أحرجنا وسبَّبَ متاجرة أعدائنا بقضيتنا غياب النخوة العقدية وصيحة (كيف نرضى بالدنية في ديننا؟)، فنحن اليوم في حاجة إلى صرخة (كيف نرضى بالدنية في سنتنا؟).
يتبع إن شاء الله بعنوان:
الاستنفار النصي الفوضوي.
Tags:
مجتمع
