عندما يخلو المجال الواسع من الحسم في المسائل ونصوصها، لعدم إلحاح الحاجة على ضرورة البيان، وبالشكل المستعجل، تظهر فوضوية الطرح، لضيق وقت غير متسع للانتصار المذهبي أوالطائفي أوالعرقي أوالقُطْري، فيضيع التأني في بسط مفاهيم العلماء وإسقاطاتِهم النصوصَ وقواعدَ استنباط أحكامها من مجموعها في المسألة الواحدة على الوقائع، مع حشر العوام استكثارا لسواد يجلب تأييد مطابقات أهواء بصواب أوخطأ، وتطاولات على علماء لم تبلغ عشر معشار تعبهم وتعلمهم مشافهة أوعصامية، يضاعفُ إعجابَ الخائضين الجامعين لانتصارات غير منظمة جيشُها دهماء يفتقدون أبسط طرق وآداب السماع والحوار، ناهيك عن أعماق التعامل مع النصوص.
اندلع طوفان الأقصى وترامت نصوص شرعية بين أيدي المؤهلين استعجالا، وأيدي غيرهم استطالا، لتخلف التنظير عن الحدث، يكشف خللا في جمع الرصيد الدلالي قبل المعركة كما يُجمع سلاحها، وتأخرِ التدريب الاستنباطي، كالتمرين الحربي.
أما المخالف فيجد نفسه مضطربا مبتدرا ردَّه على مُجنِّد النصوص لمذهبه.
حالة تلاعب فوضويةٍ بالشرع، الأبطال يقاتلون العدو داخل الأرض والقاعدون يتبارون بالنصوص.
لعله أمر دُبِّر لنا لحصر المقاومة المسلحة في صفوة مجاهدة ليعتلج مناصروها بالفكر العلمي بدل لحاقها.
(وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ)، (فَإِن تَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ)، يتجاذبهما المناصرون والمتحفظون.
(الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ)، جندها موالون للفرس وهي تبشر للروم، رغم أنها ليست انتصارا للروم، وإنما لكتابي على مجوسي أعظمَ عداوة، ولا ننزلها اليوم لأن وكيل الروم أشدّ لنا عداوة، فليتهالك الفرس والروم لنخرج من بينهم سالمين.
(وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم)، تاه المتمسكون بها في حلول الاستبدال، وأعرضوا عن مجرد التهديد كمذهب بعض المفسرين، وقد بينه النبي ﷺ بما ورد عن أبي هريرة قال: تلا رسول الله: وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم. فقالو يا رسول الله مَن مِن القوم الذي إن تولينا يستبدل بنا فضرب رسول الله على ركبة سلمان الفارسي رضى الله عنه هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس، رواه الترمذي وابن حبان وغيرهما.
فأسرع قطعان المكر الإيراني إلى التبشير بهم، ولم يعلموا سبق استخلافٍ بفرسٍ في العلم والحديث، وأن النص لا يقصد خامنئي مهرب المخدرات ومقبل يد حرم شاه إيران، ولا جمهرة شعب إيراني لا تصلي ولا تصوم.
وجدنا البعض على أبواب التشيع، يستدلون بما ورد عن جابر بن عبدالله أن النبي ﷺ قال {يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي}، رواه مسلم، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي.
لأن الطمس العلمي والهوى العامي أعمى عن جمع الأحاديث، ليتبين صحيحُها، وضعيفُها، وتركُ السنة في بعضها اكتفاءٌ بآي القرآن، كحديث العرباض بن سارية، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد، وابن عبدالبر.
والتأويل هو مجرد الوصية بأهل بيته عند الجمع.
وضعنا مترهل، فنحن:
1/ على مشارف التشيع، أو:
2/ تائهون بين التقليد والأصالة، أو:
3/ خاضعون لإملاءات ما يطلبه المستمعون، أو:
4/ ضاعت مصداقياتنا وتوازناتنا.
أدعو العلماء وأهل السنة إلى:
1/ إعادة ترتيب الخطاب وتصنيف المخاطَبين.
2/ تنصيب لجانِ بحوثِ المسائل الواقعية لا الافتراضية قبلها، لتجد أحكامها جاهزة بحلولها.
3/ إلزام العوام بحسن الإصغاء، وإبعادهم عن الخوض الفكري العالي عنهم، وعدم اللجوء إليهم لصناعة انتصارات بهم عُجْبًا ورياءً.
لنكون على حصن منيع، عاصمٍ من القواصم.
Tags:
إسلاميات
